العدالة الانتقالية: الشرعية والشفافية والمشاركة – في الالتفات إلى الوراء (4)

مصطفى حايد

تنويه من الكاتب: تم استخدام صيغة المذكر لسهولة الكتابة والقراءة، لذا أود التأكيد على أن المحتوى يشير للتنوع الجندري والجنساني الذي تشمله التعابير المستخدمة في هذا المقال.

 *****

في الأجزاء الثلاثة السابقة، حاولنا رسم ملامح العدالة الانتقالية في سوريا كعملية مُركَّبة، تتجاوز حدود المحاكم والعقوبات لتلامس احتياجات الناس في الحقيقة، والاعتراف، والمصالحة، وضمان عدم التكرار. تناولنا في الجزء الأول المفهوم الأساسي للعدالة الانتقالية في السياق السوري. وفي الجزء الثاني (نُشِرَ على قسمين 1و2) استعرضنا التحديات المتعددة التي تواجه تطبيقها، من ملفات المفقودين إلى السرديات المتضاربة. أما في الثالث فقد حاولنا رسم معالم تنفيذية لهذه العملية على الأرض، مع دروس مستفادة من تجارب دول أخرى. في هذا الجزء الرابع، نفتح النقاش على مسألة الشرعية، والمشاركة، والمُلكية المجتمعية، كأُسس ضرورية لنجاح عملية سوريّة للعدالة الانتقالية تنبثق من الواقع السوري ولا تفرض عليه.

* * * * *

عندما نتحدث عن العدالة الانتقالية في سوريا، يجب أن ننتبه إلى أن التجربة السورية تحتاج إلى مقاربة مرنة تُراعي تعقيدات الواقع، وثقل الذاكرة، وتشظّي المجتمع، وتَعدُّد روايات الضحايا. العدالة الانتقالية عملية تُصَاغ من الداخل وتنبع من السياق المحلي الثقافي والتاريخي والاجتماعي.

التجارب الدولية من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا، ومن أوروبا الشرقية إلى العالم العربي، تُثبت أن الآليات التي لا تُكيَّفُ مع السياق المحلي تفشل في بناء الثقة والاستجابة لتطلعات الناس.

جنوب أفريقيا، مثلاً، لم تعتمد فقط على المحاسبة القضائية، بل ابتكرت «لجنة الحقيقة والمصالحة»، التي جمعت بين كشف الحقيقة وسماع الضحايا وتوفير فرصة للصفح المشروط مقابل الاعتراف بالجرائم. أما كولومبيا، فقد صاغت اتفاق سلام أدخلَ العدالة الانتقالية ضمن رؤية شاملة للحل السياسي مع حركة فارك، وتضمّنَ آليات تتناسب مع السياق الريفي المُعقَّد والمجتمعات المُهمَّشة.

في الحالة السورية، يجب أن تُبنَى الآليات على فهم عميق للبنية الاجتماعية، وانقسام الروايات، والخوف من العقاب الجماعي، وتدهور الثقة بالمؤسسات.

العدالة التي لا يُشارِك في صياغتها من تضرَّروا لن تكون إلا إعادة إنتاج للتهميش. يجب أن تبدأ العملية بمشاورات حقيقية مع الناجين والضحايا وأُسَرهم، من خلال آليات آمنة ومحترمة، تضمن لهم التعبير الحر عن مطالبهم وهواجسهم. ليس المقصود فقط الاستماع إليهم، بل إشراكهم في تصميم وتنفيذ السياسات والبرامج المرتبطة بالعدالة.

في البيرو، أثبتت لجان الحقيقة والمصالحة أن جلسات الاستماع العلنية للضحايا لم تكن فقط وسيلة لجمع المعلومات، بل منصّة لبناء الاعتراف المجتمعي بمعاناتهم. التجربة نفسها يمكن أن تُلهِم سوريا، حيث إن الإنكار والتشكيك في بعض المجازر السورية ما زالا مُنتشرَين.

من الضروري أيضاً ضمان تمثيل الفئات التي عانت من الإقصاء المزدوج، مثل النساء وذوي الاحتياجات الخاصة وأهالي المعتقلين والمختفين، في المشاورات والحوارات الوطنية. ويجب أن يكون للشباب دور ريادي، فهم ليسوا فقط ضحايا، بل أيضاً صُنّاع تغيير محتملون. كثير من الشباب السوريين أداروا مبادرات مدنية محلية خلال النزاع، واستثمروا في التعليم الذاتي، وبنوا شبكات تضامن مجتمعية. لذلك لا يمكن تَصوّر عدالة انتقالية دونهم، بل إن إدماجهم في تصميم وتنفيذ برامج العدالة يضخّ الحيوية والمصداقية في العملية، ويُعيد الثقة بالمستقبل. في سيراليون، كان إشراك الشباب في لجان العدالة المجتمعية عاملاً أساسياً في تهدئة الصراعات ومَنعِ تجدد العنف.

أما الأطفال، فقد عانوا من النزاع ليس فقط كضحايا مباشرين، بل أيضاً من خلال فقدان التعليم، والتعرض للعنف، والنزوح. من الضروري دمج البرامج التربوية التي تركز على الذاكرة، وحقوق الإنسان، والتربية المدنية في المناهج التعليمية، وذلك لتعزيز وعي الجيل الجديد بتاريخ بلدهم وضرورة المُساءلة والمصالحة. تجربة رواندا في إدخال دروس حول الإبادة الجماعية والتسامح في التعليم كانت محورية في إعادة تشكيل وعي الأطفال وتحصينهم من الخطاب الانقسامي.

هؤلاء الذين لم يصنعوا الحرب، لكنهم وُلِدوا أو كبروا وسطها، هُم من سيتحمل مسؤولية بناء السلام غداً. إنَّ تمكينهم ليكونوا جزءاً من عملية العدالة الانتقالية ليس فقط من باب الإنصاف، بل من باب الاستثمار في مستقبل أكثر عدالة واستقراراً.

الشباب بحاجة إلى أدوات لفهم الماضي والتفاعل معه. وهذا يتطلب إشراكهم في أنشطة توثيق الذاكرة، والحوارات المجتمعية، والبرامج التعليمية التي تتناول تاريخ النزاع وأهمية المساءلة. أما الأطفال، فهم يحتاجون إلى نظام تعليمي جديد يزرع فيهم قيم العدالة والمساواة والتنوع، ويُحصّنهم من إعادة إنتاج الكراهية. يجب أن تكون المدارس مساحات لرواية قصص التعدد السوري، وأن تُدرَج في المناهج سرديات متنوعة تعكس الحقيقة كما عاشها مختلف السوريين، لا كما فُرِضَت عليهم.

لتحقيق كل ذلك، لا بد من استراتيجيات واضحة للمشاركة المجتمعية. الشفافية في طرح الأهداف، والوضوح في شرح المراحل، والاعتراف بالتحديات، هذه كلها عناصر تعزز الثقة بين الناس وعملية العدالة الانتقالية. التواصل ليس رفاهية، بل ضرورة لاحتواء القلق، وتبديد المخاوف، ومواجهة حملات التضليل.

لا بد أن تكون العدالة الانتقالية عملية يمتلكها المجتمع المحلي. «المُلكية المحلية» تعني أن تكون الأولوية لاحتياجات السكان، وأن تُبنى البرامج من الواقع وأولوياته، التي تتباين حسب كل منطقة، بحيث تنطلق من القواعد المجتمعية. سيكون الدعم الخارجي ضرورياً، لكنه يجب أن يأخذ طابع التيسير، والتوصيات والدعم والشراكة.

في تيمور الشرقية، أدى تكييف آليات العدالة الانتقالية مع الأعراف المحلية، مثل استخدام لجان المصالحة التقليدية (الـ«شيمبو»)، إلى تعزيز فعالية العملية وتوسيع نطاق قبولها المجتمعي. يمكن في سوريا استلهامُ مثل هذه المبادرات، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية، لكن بحيث أن لا تتعارض مع حقوق الإنسان والمعايير الدولية ذات الصلة.

المشروعية تبدأ من الشفافية والمشاركة

الشرعية ليست شعاراً يُرفَع، بل تُبنى عبر الممارسة والزمن من خلال ممارسات تُظهِرُ الاتساق والعدالة والشفافية. من هنا، لا بد من التواصل المستمر والصادق مع السوريين حول أهداف وآليات العدالة الانتقالية، مع الاعتراف بتحدياتها ومحدودياتها. يجب أن يشعر الناس أن هذه العملية تخصّهم، وأنها ليست امتداداً لصراعات النخب أو السلطات. أو الدول الفاعلة في سوريا.

إدارة التوقعات ضرورية أيضاً. لا يمكن أن تُحَلَّ جميع مشاكل سوريا من خلال العدالة الانتقالية. هي ليست عصا سحرية، لكنها أداة ضمن منظومة أوسع تشمل الإصلاح السياسي، والتنمية، وبناء الثقة المجتمعية. في جنوب أفريقيا، كان لشفافية لجنة الحقيقة والمصالحة، وتواصلها المباشر مع الناس، دور كبير في تجاوز النقد وتحقيق حدّ معقول من القبول.

في السياق السوري، يجب أن نرفض المقاربات التي تضع العدالة والمصالحة في تعارض دائم. فهُما ليستا نقيضين، بل يمكن أن تكونا متكاملتين. المصالحة الحقيقية لا تتحقق دون كشف الحقيقة، ولا معنى للعدالة إن لم تؤدِ إلى التئام الجراح وإنهاء العنف والمجازر.

التحدي هو بناء مساحات للحوار تسمح بهذا التوازن، وتمنع خطاب الانتقام، وتعزز مناخ الاعتراف المتبادل. قد يساعد استخدام الوساطة المجتمعية، والفن، وسرديات الضحايا، في فتح قنوات جديدة للتقارب بعيداً عن الاستقطاب السياسي التقليدي. العديد من المنظمات السورية عملت خلال السنوات الماضية على مشاريع للذاكرة الشفوية يمكن أن تُبنى عليها جسور لدرء الانقسامات السورية وكشف الحقيقة وسردها. كما تشكلت مؤخراً العديد من المبادرات المحلية التي تقودها نساء وعائلات الضحايا، مثل خيم الحقيقة وعائلات من أجل الحرية وسواها، والتي يمكن أن تكون مساحات للحوار والسرد والتضامن المجتمعي.

إذا أردنا لعدالتنا الانتقالية أن تُثمر، فلا بد أن نجعلها حواراً وطنياً شاملاً، لا مجرد سلسلة من الإجراءات القانونية. يجب أن تكون مساراً لبناء هوية سورية جديدة، تتسع للجميع، وتعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية كمبدأ لا يُساوَم عليه.

ربما تكون الطريق طويلة، لكن كل خطوة تبدأ من الاعتراف، ومن الشراكة الحقيقية، ومن الإرادة السياسية والمجتمعية لصنع التغيير. العدالة الانتقالية ليست فقط عن الماضي، بل عن مستقبل أفضل نستحقه جميعاً، ولا تتكرر فيه مجازر الماضي ولا تجاوزات الدولة ومؤسساتها.

لا معنى لعدالة تُفرَض من فوق، ولا مصداقية لآليات تُصمَّم في غرف مغلقة. يجب أن تشمل عملية التصميم مشاورات واسعة مع الضحايا من كل المناطق والانتماءات، وعائلات المفقودين والمعتقلين، والنساء اللواتي عانين من العنف الجنسي أو النزوح القسري، والمنظمات المحلية والنشطاء. دور النساء جوهري وقيادي في هذه العملية. في نيبال، تم تخصيص لجان نسائية محلية تساهم في توثيق الانتهاكات ودعم الضحايا، وهناك العديد من التجارب النسائية المشابهة، والتي يمكن التعلُّم منها والبناء عليها في سوريا.

لبنان مثال على الإخفاق عندما تُغيِّبُ الدولةُ مشاورةَ الضحايا. فبعد الحرب الأهلية، اعتمدت السلطة «العفو العام» دون حوار مجتمعي، ما أدى إلى إنكار جماعي واستمرار جراح الماضي بلا معالجة. في المقابل، اعتمدت تونس مقاربة مختلفة من خلال «هيئة الحقيقة والكرامة»، التي نظّمت جلسات استماع علنية وأتاحت للمواطنين رواية معاناتهم. التجربة لم تكن مثالية، لكنّها فتحت المجال للنقاش العام وأعطت الضحايا موقعاً محورياً.

المشاركة المحلية تعني أن المجتمعات تشعر أنها شريكة لا ضحية فقط. وهو دور يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني السوري، والمجتمعات المحلية، والنساء، والشباب.

في سيراليون، تم تصميم المحاكم الخاصة بالشراكة مع المجتمع، مع التركيز على رمزية المكان وعلى إشراك الضحايا. أما في البوسنة، فالفشل في تمكين المجتمعات المحلية من صياغة العدالة أدى إلى ضعف تأثير محكمة لاهاي في المصالحة.

سوريا بلد تعددي. ولكي تكون العدالة جامعة، لا بد من إشراك مكونات المجتمع كافة. هذا التنوع إذا أُدير جيداً، يمكن أن يُشكّل مصدر قوة لا انقسام. ويجب أن تُصمَّم آليات العدالة بحيث تُمكَّن هذه الأصوات من التعبير عن تجاربها الخاصة.

كما أن غياب المعلومات والتواصل يغذي الشكوك والمخاوف. لذلك، من الضروري إعداد حملات تواصل مجتمعي لشرح أهداف العدالة، واستخدام اللغة التي يفهمها الناس، والانفتاح على وسائل الإعلام.

في كندا، أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة حول السكان الأصليين منصّة رقمية، وأنتجت محتوى مرئياً ومكتوباً، بلغات السكان الأصليين، ما ساهم في تعزيز الوعي والدعم الشعبي.

بناء التوافق وإدارة التوقعات

العدالة الانتقالية لا تَفرضُ السلم الاجتماعي فوراً، ولا تُرضي جميع الأطراف بالكامل. لذلك من الضروري أن نكون صريحين في تحديد ما هو ممكن الآن، وما الذي سيحتاج لسنوات. وكذلك الاعتراف بالتحديات والقيود، وشرح طبيعة الموازنة بين المحاسبة والحقيقة، والإصلاح والمصالحة. في غواتيمالا، أدى عدم وضوح الأهداف وتضارب الرسائل إلى فقدان الثقة في العملية، رغم انطلاقتها القوية. أما في ساحل العاج، فقد ساعدت المقاربة المرحلية، وربط العدالة بالإصلاح السياسي، على تعزيز الثقة تدريجياً.

في النهاية، إن مُلكية السوريين لهذه العملية لا تُقاس فقط بمن يُشارك في كتابة القوانين أو حضور الاجتماعات، بل بمن يشعر أن هذه العدالة تخصّه، وأنها تعنيه هو وأولاده ومستقبل قريته أو حيّه. لهذا، لا بد أن تُصمَّم العملية بشكل يستوعب التعدد السوري، ويُخاطب الناس بلغتهم، ويمنحهم أدوات فهم وتفاعل ومُساءلة.

بهذا فقط، يمكن للعدالة الانتقالية في سوريا أن تكون أكثر من مجرد مفهوم قانوني؛ أن تكون مساراً وطنياً نحو التعافي الجماعي والمصالحة المجتمعية، ينقل سوريا من زمن الألم إلى أفق جديد من الأمل.

في المقال الخامس والأخير، سنحاول أن نقدم تصوراً عملياً وخارطة طريق، نطرح فيها خمسة محاور رئيسية تُشكِّل معاً اللبنات الأساسية لبناء نموذج سوري منفتح وعملي للعدالة الانتقالية.

الجمهورية نت

Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

يناير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist