في حين تحفل المكتبة الجهادية بالمذكرات الأفغانية فإن تجارب أخرى بقيت في الظل إلى هذه الدرجة أو تلك. ولعل من أقلها توثيقاً مشاركة متطوعين عرب، وقليل من سواهم، في القتال في صف البوسنيين إبان الحرب التي دارت هناك بين عامي 1992 و1995، إثر إعلان جمهورية البوسنة والهرسك استقلالها.
لكن جهادياً مصرياً، هو أحمد حازم، يروي هذه القصة بتفصيل كاف في جزء كبير من كتاب أشمل ألفه بعنوان «تجلية الراية».
في البداية يرصد حازم تزامن إعلان الاستقلال وبدء الحرب مع خيبة الجهاديين العرب بتجربة أفغانستان وقتئذ، بعد انسحاب القوات السوفييتية الغازية وانهيار حلفائها وبدء قتال الإخوة من فصائل المجاهدين الأفغان التي لم يرغب معظم المهاجرين في المضي معها في حربها الأهلية وفضّل المغادرة.
وفي ذلك الوقت كانت البوسنة مكاناً مجهولاً بالنسبة إليهم. فتشكك بعضهم في إمكانية الجهاد لإقامة دولة إسلامية، كما تساءل آخرون عن نقاء راية البوسنيين، وسرت تخمينات بأنها كمين أعدته أجهزة المخابرات الغربية لتجميع المجاهدين في قلب أوروبا وقتلهم. في حين استهان آخرون بالأمر وسارعوا إلى البوسنة.
وقد كان أنور شعبان من أوائل هؤلاء، قادماً من المركز الإسلامي الذي أسسه في مدينة ميلانو بعدما حاز الجنسية الإيطالية، إثر ملاحقته في بلده مصر لانتمائه إلى «الجماعة الإسلامية» التي كانت نشطة.
من هذين العنصرين؛ أعضاء «الجماعة الإسلامية» واللاجئين العرب في إيطاليا، سيأتي منبعان رئيسيان للجهاد البوسني. فقد كانت «الجماعة» تجد صعوبة في الإنفاق على كوادرها وعائلاتهم المهاجرة بعدما غادرت هيئات الإغاثة الخليجية مدينة بيشاور الباكستانية، المركزية في الجهاد الأفغاني، فقررت «الجماعة» إرسال أفراد منها إلى البوسنة كنوع من التجربة، سرعان ما تبعهم آخرون بحثاً عن متابعة الجهاد. ومن جهة أخرى استقطب مركز ميلانو أعداداً من المهاجرين من بلدان المغرب العربي على الأرجح، كانوا يبحثون عن طريق للخلاص الروحي بعد تجارب كان بعضها غير مشروع.
ومن الضفة الثالثة جاء المتطوعون الخليجيون؛ متبرعون ربما راودتهم فكرة أن يصبحوا بن لادن الساحة الجديدة، ومقاتلون استثارت حميتهم الانتهاكات المريعة التي ارتكبتها القوات الصربية من قتل واغتصاب. وكان الجهاد في البوسنة مرضياً عنه من الحكومات الخليجية ومن مؤسساتها الدينية، فكانت التبرعات تصل من رجال أعمال وشخصيات معروفة، وكانت أجهزة الجيش والشرطة تمنح منسوبيها إجازات بلا راتب للمشاركة في هذه المعارك.
في هذا السياق، وبعد استقرار النواة الأولى ببضعة أسابيع، وصل أبو عبد العزيز الجدّاوي (محمود باحاذق) أبرز مؤسسي كتيبة المجاهدين. وكان من قدامى المقاتلين في أفغانستان، كما اشتهر كأحد «مشايخ الحقيبة» القادرين على جمع التبرعات. وكان قد قام برحلات في كشمير وأريتريا وغيرها إلى أن وصل إلى البوسنة.
منذ البداية قرر أبو عبد العزيز إخضاع كتيبته لسلطات الحكم البوسني الوليد برئاسة علي عزت بيغوفيتش. وفي لقاء أجرته معه جريدة التايمز اللندنية في آب 1992 قال: «نحن تحت إشراف وسيطرة القوات البوسنية. تعليماتي لرجالي المجاهدين وشرطي عليهم هو أننا لسنا أصحاب قرار قيادي هنا وليست لنا جبهة عسكرية منفصلة، نحن نعمل تحت إشراف البوسنيين وسيطرتهم. متى انتهت الحرب عدنا إلى بلادنا». كما حدد الجدّاوي منذ البداية الإطار العام لمهمته وهو تخليص البوسنة من المحتل والرحيل فور توقف العمليات الحربية من دون الارتباط بإقامة دولة إسلامية أو دولة خلافة أو جعل البوسنة داراً للهجرة كما كانت الحال في أفغانستان قبل أشهر بالنسبة لآلاف المتطوعين من خارج الخليج، أي من الذين لا يستطيعون العودة إلى ديارهم. لكن الجداوي سرعان ما غادر، لأسبابه الخاصة ربما، بعدما وصل عدد أعضاء الكتيبة إلى العشرات، وبعد أن أرست تعاونها مع الجيش البوسني الوليد.
وتولى قيادتها بعده عدة أمراء كان أولهم شاب مصري أسمى نفسه وحي الدين، راسلَ، في صيف 1993 قيادة الجيش لاعتبار المتطوعين كتيبة من كتائبه. تلقى الجنرال راسم ديليتش، الذي دأب على الشكوى من عدم انضباط المتطوعين، الطلب وأصدر أمره بضمهم إلى «تشكيل مؤقت» مما يدل على نية حلهم في المستقبل. وأصبحت الكتيبة جزءاً من اللواء السابع في الفيلق الثالث.
في الحقيقة كان شباب ذوو ميول سلفية يُصدَمون بنمط الحياة الغربي الذي يعيشه المسلمون الذين أتوا لنصرتهم. وفي أكثر من مناسبة حاول بعضهم تحطيم محلات تبيع الخمور ومقاه للعب القمار وأماكن للدعارة. وحاول آخرون تدمير كنيسة فارغة كانت مركزاً سابقاً لقيادة قوات كرواتية فمنعهم جنرال بوسني وكاد الأمر أن يتطور إلى صدام. وفي إحدى المرات أرسل أحد الجنرالات كتاباً لقائد الجيش يتذمر فيه من «أساليب الحرب غير التقليدية الخارجة عن معاهدة جنيف التي يتبعها أعضاء كتيبة المجاهدين والتي قد تسبب أذى فادحاً لجمهورية البوسنة». وأخذت وحدات بوسنية مسلحة خارج العاصمة سراييفو، تعمل بشكل مستقل تقريباً، تتخذ اتجاهاً شبه إسلامي تأثراً بنجاحات كتيبة المجاهدين.
وعلى الرغم من أن المتطوعين لم يكونوا نسبة عالية من مجمل القوات، لكن أهميتهم أتت من استلامهم النقاط الحساسة.
انتهت الحرب البوسنية باتفاق دايتون الذي رفضته بعض قيادات الجهاديين في البداية، ليس فقط لأنه يشترط إخراجهم من البلاد بل لأنهم رأوا أنه مجحف في حق المسلمين. لكنهم سرعان ما رجعوا إلى قواعدهم التأسيسية بتنفيذ ما اختاره البوسنيون عبر زعيمهم بيغوفيتش.
في ذلك الوقت كان هناك عرب خارج الكتيبة الجهادية أكثر ممن هم في داخلها، وإن حوت أكبر عدد منهم. فاجتمع مجلس شورى الكتيبة مع المجموعات الأخرى وقرروا أن حل التشكيلات الجهادية هو أفضل الخيارات. وبناء على ذلك أعلن قائدها الأخير، أبو المعالي الجزائري، في احتفال بذلك حضره قائد الجيش، أنه «يتفهم القرار السياسي»، وطلب من الشعب البوسني «التسلح بالإسلام في الحرب القادمة التي لن تخاض بالسلاح». وخلال أيام بدأ خروج المتطوعين القادرين على مغادرة البلاد والراغبين في ذلك، بعد تقليدهم أوسمة رسمية تعبيراً عن الامتنان. وأحيل أبو المعالي على التقاعد بعد منحه رتبة رائد في الجيش. وسُمح له، ولاثنين فقط من أقرب معاونيه المتبقين، بحمل مسدسات مرخصة.
قرر أبو المعالي تحويل الكتيبة إلى جماعة اقتصادية لتستثمر ما كان في صندوقها من تبرعات، وما قدمته الهيئة العليا للإغاثة السعودية من مبالغ للمقاتلين السابقين الذين أقاموا في قرية منضبطة بأنظمة واضحة بعد أن خلت من سكانها في أثناء الحرب.
ورغم أن الجهاديين المتقاعدين لم يكونوا راضين عن الحياة العامة في البلاد التي دافعوا عنها، ثم اضطروا إلى الإقامة فيها، إلا أنهم التزموا بقوانينها طوال مدة سكنهم. لكن أعدادهم صارت تقل بالتدريج، ولا سيما مع مشاركة أحزاب لا تميل إليهم في الحكم، أخذت بالتضييق عليهم رغم زواج بعضهم من بوسنيات وحصولهم على الجنسية. غير أن الموضوع ظل في إطار القانون والتظلم والسلمية.
أما أبو المعالي نفسه فاقتنع باقتراح متبرع ثري بأن ينقل نشاطه الاقتصادي إلى أفغانستان. لكن التوقيت كان سيئاً حين صادف أشهراً فقط قبل عمليات 11 أيلول 2001 وملاحقة العرب هناك. فتسللت المجموعة إلى إيران حيث قبض عليها ثم أطلق سراحها، لتسافر إلى ماليزيا وتنقطع أخبار أفرادها..
- تلفزيون سوريا


























