لا يعكس النشاط الحكومي المتعلق بسياسة الدعم الاجتماعي، تخبطاً حكومياً حول هذا النهج الذي كان متبّعاً على مدار العقود الماضية في سوريا، بقدر ما يؤكد عدم وجود رؤية حكومية متكاملة لنمط تعامل الدولة مع المواطن ومع الملفات المتراكمة التي أكسبتها سنوات الحرب الطويلة مزيداً من التعقيد والتشابك، وسط غياب أي بدائل آنية للشرائح المجتمعية الأكثر تضرراً.
ويبدو أن وزارة الاقتصاد جمّدت ملف خصخصة المؤسسة السورية للتجارة، بعد فشل مساعيها لبيع صالات المؤسسة، كما أصدرت الوزارة تعميماً بإعادة كافة العاملين من ملاك مديريات التجارة الداخلية المنقطعين بسبب قرارات الفصل والاستقالات الإجبارية، ما يوحي بإعادة تفعيل دور هذه المؤسسات اجتماعياً.
وبالتوازي، كانت وزارة الاقتصاد والصناعة قد وقعت مؤخراً اتفاقية تعاون مع برنامج الأغذية العالمي (WFP)، لتزويد 64 مخبز بالدقيق، بحيث يستفيد منها نحو مليوني مواطن عبر توفير 40 ألف طن من الدقيق حتى نهاية 2025، وفقاً للأرقام الرسمية. كما أعلنت وزارة الطاقة تفعيل كافة البطاقات الذكية الموقوفة من قبل النظام البائد، موضحة أن عدد هذه البطاقات يصل إلى 134 ألف بطاقة.
“إدارة حالة” مؤقت
ويصف الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم، السياسة المتبعة حكومياً ب”إدارة حالة” تتسم بكونها مؤقتة وغير دائمة، حيث تحاول كل وزارة إدارة الأوضاع بما ترتئيه من سياسة مرحلية ريثما يتم تكوين نظرة متكاملة لنظام الحكم، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
ويضيف الكريم لـ”المدن”، أن هذا السياق ينطبق على تجميد الحكومة ملف بيع المؤسسة السورية للتجارة وإطلاقها برنامج دعم الخبز بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، لافتاً إلى وجود “تعقيدات دستورية تتعلق ببيع أملاك الدولة، علماً أن الحكومة الانتقالية حاولت عرض بعض المؤسسات العامة للبيع لكن التعقيدات والقوانين المحكمة حول نقل الملكية تتسبب في تجميد هذه المحاولات”.
ويلاحظ التوجه الحكومي نحو استيراد مادة القمح كونها تعد أولوية وضرورة ملحة تجنبها الصدام مع الجمهور، مؤكداً حدوث انعكاسات سلبية جراء هذا التوجه نظراً لضياع الثروة الوطنية وغياب الاستثمار الحقيقي في القطاع الزراعي، بالموازاة مع انعدام البيئة التشريعية التي ترسم السياسة الاقتصادية للبلاد، وتضعها على سكة محددة تلغي الدعم الاجتماعي نهائياً أو تعيد تنفيذه بآليات جديدة.
بين التحرير المباشر والتدريجي
ويعزو الباحث في الاقتصاد السياسي والمحليات في مركز “عمران”، أيمن الدسوقي، لجوء الحكومة السورية إلى الخصخصة عقب سقوط النظام، إلى رغبتها بالتماشي مع رؤيتها لتحرير الاقتصاد وتقليل دور الدولة من جهة، ولاضطرارها إلى الخصخصة بحكم العجز المالي وتراجع الدعم الذي تخصصه الجهات المانحة لسوريا، من جهة أخرى.
ويوضح الدسوقي لـ”المدن”، أن هذه الإجراءات تمّت “بشكل غير مدروس وبدون خطط لتوفير بدائل وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية والاقتصادية للفئات الأكثر تضرراً”، لافتاً إلى مساهمة هذا التوجه في تدهور الأمن الغذائي لأعداد معتبرة من السوريين، ممن باتوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ويضيف أن عدم توفير البدائل قاد إلى التريث في عمليات الخصخصة في بعض القطاعات من جهة، والاتكاء على دعم الجهات المانحة، من جهة أخرى.
لكن في المقابل، يؤكد الدسوقي أن الحكومة لن تلجأ إلى العدول عن سياسة تحرير الاقتصاد أو تحاول العودة إلى سياسات الدعم الاجتماعي، مشيراً إلى التوجه الحكومي نحو إيقاف دعم محصول القمح، كمؤشر على ثبات مبدأ تحرير الاقتصاد. ويلفت إلى أن عودة الدعم الاجتماعي يجب أن تكون مرتبطة بنهج حكومي مؤطر بخطط وبرامج وموارد ذاتية، دون الاتكاء فقط على الدعم الذي توفره الجهات المانحة وهو بطبيعته غير مستدام.
ويلمح إلى أن “المؤشرات الملموسة لا تعزز تأكيد هكذا نهج موحد لدى الحكومة السورية راهناً، بما يفسر التناقض القائم تجاه ملف الدعم الاجتماعي بين تيار يريد تجاوزه بسرعة، وآخر يطالب بالتريث فيه وتطبيقه على مراحل وبشكل أكثر انتقائية لاستهداف الفئات المهمشة بشكل فعلي”.
– المدن


























