يقول الفيلسوف سبينوزا: “كل تحديد نفي”، فالتحديد جمعٌ لعناصر الشيء وتأطيرٌ لها ضمن وصفة تعريفية سهلة الفهم والحفظ، وهو، في الوقت نفسه، استبعادٌ لعناصر أخرى من هذا الشيء المحدّد، وتغييبٌ لها عن تعريفه لئلا تتداخل معه فتشوّش على صفائه ونقائه المرجوّ لإدراكه وفهمه وحفظه نقشاً في الذاكرة. هكذا عرّف الفلاسفة الحرية والعبودية، الكرامة والمهانة، الغنى والفقر، العلم والجهل، الرقيّ والانحطاط…، وكذلك حدّدت الأديان الإيمان والكفر، الجنّة والجحيم، الخير والشر، الملائكة والشياطين….، فكان ذلك كلّه بمثابة أدواتٍ اخترعها البشر لتقريب الأشياء والمواضيع إلى فهمهم المقولب بنماذج تصنيفية جاهزة. لم يُبنَ العقلُ البشري ليكون حاضراً في النقد والفحص والتجريب على الدوام، بل الظاهر أنّ النمطيّة كانت هي الأساس في تركيبتنا الذهنية، وعلى الضدّ من ذلك كان التفكير خارج الأنماط والنماذج والقوالب المعتادة هو الاستثناء. من هنا، واجه الأنبياء والفلاسفة والمفكرون والعلماء والفنانون والأدباء عنتاً وصَلَفاً من البشر الذين خاطبوهم بالجديد المُحدث. مردّ ذلك استسهال البشر الثبات واستصعابهم التغيير، وركونهم إلى التصنيف الواضح البسيط، وهذا من العوامل التي ساهمت بإذكاء أسباب الاقتتال بين البشر. بالمقارنة بين عالمنا وعالم الحيوان، نجد أنّ البشر وحدهم الذين يتحاربون على أسس التصنيف التي ابتدعوها لتمييز مجموعاتهم عن بعضها، دينيّاً كان أم قوميّاً أم حتى ثقافيّاً، بينما لا نجد حروباً في عالم الحيوان أبداً، هناك صراعٌ وفق أسس دورة الحياة والطبيعة وقوانين البقاء لا أكثر.
في سعيه الدائم إلى التعريف والتحديد والتصنيف، اخترع الإنسان الصور والنقوش والرموز، ثم طوّر الأخيرة لتصبح أبجدياتٍ تحمل حروفاً وكلمات. وباللغة، صنع معجزته البشرية، التي هي الحضارة بكل ما تحتويه من علوم وفلسفات وآداب. في مراحل متأخّرة من تطوّرنا، وبعد دخولنا عصر التكنولوجيا المتقدّمة ثم عصر المعلوماتية والذكاء الصناعي، عادت الصور والرموز لتأخذ دورها في مساحات التعبير البشري. الصورة الآن قادرة على تخطّي الحواجز، فهي تعبر من خلال التكنولوجيا الحديثة كل بيت وكل دولة من دون استئذان. والصورة قادرة على القفز عن أسوار اللغة، فهي تخاطب الحصيلة المعرفية المتكوّنة والمتراكمة في الذهن البشري عبر آلاف السنين، لتنقل إليها الرسالة من دون كلام مسموع مرافق، ومن دون كتابة أيضاً. أمّا الرمز فإنّه يختصر المفاهيم ويقرّبها ويضعها جملة واحدة في متناول اليد. عندما نشاهد الصليب أو الهلال أو النجمة السداسية أو المطرقة والمنجل أو غيرها من الرموز، يصنّف ذهننا مباشرة مجموعة هائلة من العناصر ليضعها في خانةٍ واحدة. يمكن أن يرى في الصليب المسيحية وعالماً كاملاً من خلالها ممتدّاً منذ الإمبراطورية البيزنطية بكل فلسفته وعقيدته وإنجازاته الفكرية، بكل حروبه وفنونه وإنجازاته العلمية. يمكن أن يرى في الهلال الإسلام بكل تاريخه وإنجازاته وفلسفته وعقيدته وعناصر تكوينه، بكل دوله وشعوبه والإرث الذي تركه في الحضارة البشرية. هكذا يمكن النظر إلى الصورة وإلى الرمز باعتبارهما ممكناتٍ أصيلةً في الاختصار والتحديد والتصنيف.
هل نحن شعب سوري واحدٌ فعلًا كما رفعنا طيلة سنوات الثورة، أم نحن قبائل وطوائف وشراذم مجموعات بشرية؟
هذا كله مقدّمة للولوج إلى صلب المقالة، وكان لا بدّ منه لشرح ما يمكن أن تحمله الصورة من دلالاتٍ ومعانٍ ومعلوماتٍ ورسائل ضمن خطوطها وألوانها. وصورتنا التي سنتكلّم عنها اليوم هي صورة الرجل المسنّ من أهل السويداء التي ظهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يتعرّض للإهانة على أيدي مجموعة من الشباب بعمر أحفاده، يقابلها صورة جنود الجيش الأسرى وجثثهم بعد قتلهم والتنكيل بهم. بغضّ النظر عمّا رافق العمليات العسكرية في جرمانا وصحنايا قبل أشهر من انتهاكات مشابهة تمثلت في حلق شوارب شبابٍ دروز ولحاهم بطريقة مذلّة ومهينة، وبغضّ النظر أيضاً عمّا رافقها من صور وتسجيلات مقابلة تهين شباب الجيش والأمن العام، ستبقى هذه الصورة رمزاً لإهانة آدمية الإنسان وليس كرامته أو رجولته فحسب. ستعلق هذه الصورة في ذاكرة السوريين والسوريات طويلاً، ربّما عشرات السنين، كما علقت صور جنود بشار الأسد وهم ينتفون لحى الشيوخ أو وهم يدوسون أجساد الناس أو يدنّسون المقابر وينبشون الجثث. ستختزل الصورة قروناً من الغربة بين سكّان المنطقة، وسترفع عالياً جدران البغضاء والكراهية والحقد الأعمى. ليس الموضوع مجرّد إهانة رجلٍ مسنٍّ فحسب، وليس الحديثُ عن مسؤولية هذه الجهة أو تلك عمّا وصلت إليه الأمور، وليس الحدث مقتصراً على حالة فردية تمكن مساءلة القائمين عليها، إنّها منظومةٌ متكاملةٌ ونمطٌ واضحٌ من أنماط التفكير التي لا بدّ من مقاربتها للوصول إلى جوهرها الحقيقي.
من أين أتينا، نحن السوريين، بهذا العنف كله، ولم هو موجّه ضدّ بعضنا بعضاً بشكلٍ لا يُعقل، ما الأسباب، وهل ثمّة مشكلة وجودية تدفعنا إلى التناحر المقيت هذا، أم هي التصنيفات الجامدة التي اخترعناها عن بعضنا وسقيناها حتى باتت غاباتٍ سوداء تحجب الشمس ونورها عن أرضنا المشتركة؟ ما الذي ينقصنا لنجلس مع بعضٍ للحوار والنقاش، هل العقائد والقوميات وحدها المسؤولة عن هذا الشقاق، أم عقلياتنا هي المسؤولة عن ذلك كله، وهل نحن قبليّون وطائفيّون ومذهبيّون ومتعصبون لمرجعياتنا ما تحت الوطنية هذه، أم ما هو خطبنا؟ هل نحن شعب سوري واحدٌ فعلًا كما رفعنا طيلة سنوات الثورة، أم نحن قبائل وطوائف وشراذم مجموعات بشرية؟
هل تدرك الجماعات الخارجة على الدولة أنّها ستخسر وسيخسر معها الشعب السوري وسورية كلها، أم ستبقى لغة البسطار والمقصّ والدم السائدة؟
ما الذي كان يدور في أذهان المجرمين الذين كانوا يهينون هذا الكهل الطاعن بالسن؟ وما الذي كان يدور في عقول أولئك الأوغاد الذين نصبوا كميناً لعناصر الجيش الآتين لفض الاشتباكات فقتلوهم ورقصوا على جثثهم؟ ألم يفكّر أيٌ من هؤلاء بأنّ والده أو جدّه أو ابنه قد يكون في يومٍ ما مكان الضحايا المعتدى عليهم؟ ما هو المبرّر الذي يمكن أن يتبادر إلى أذهان هؤلاء عندما يضعون رؤوسهم على مخدّاتهم ليلاً؟ هل ثمّة تبرير لمعاملة أهلهم السوريين هكذا؟ يحارُ المرءُ حقيقةً بأسباب كلّ هذه الهمجية وهذا التوحّش. أين كل هذا من الأديان وتعاليمها، أين هو من المروءة والأخلاق الحميدة والتربية المنزلية على احترام كبار السن وحرمة الإنسان حيًا وميتًا؟ هل تحجّرت المشاعر وتجمّدت القيم وانتفت الشهامة والمروءة والنخوة في عروقنا إلى هذا الحد؟
مرعبة هذه الصور وقاتمة، وسترسل رسالات خاطئة إلى الداخل كما إلى الخارج، لن يطمئنّ أحدٌ الآن على نفسه أو عرضه أو ماله أو كرامته، ليس الأقليات العددية فحسب، بل والأكثرية القومية الدينية. ليس العرب السنّة كتلة واحدة صمّاء، ولا يقبلون جميعًا أن يتمّ تصنيفهم تحت هذا الشعار، ولا أن يتمّ اختزالهم بهذه السلطة أو تلك أو استلحاقهم بهذه الجماعة أو تلك. الغالبية الساحقة من الشعب السوري تريد دولة مواطنةٍ متساوية، تريد دولة قانونٍ ومؤسسات، تريد دولة كرامةٍ وحرياتٍ وحقوق إنسان، ليس هذا مقتصراً على فئة دون غيرها، وليس من مطالب الأقليات دون الأكثرية، إنّها مطالبُ غالبية السوريين والسوريات المشروعة والمحقّة. فهل تدرك السلطة أنّ وقت التغيير قد حان، وهل تدرك خطورة الانقسام الحاصل وتبادر إلى رأب الصدع وتسارع إلى مشاركة كلّ السوريين والسوريات في الدولة الجديدة، أم ستستمر بالسير في طريق العنف؟ وهل تدرك الجماعات الخارجة على الدولة أنّها ستخسر وسيخسر معها الشعب السوري وسورية كلها، أم ستبقى لغة البسطار والمقصّ والدم السائدة؟
- العربي الجديد


























