
د. تركي القبلان
ما تخشاه إسرائيل في جنوب سوريا ليس صاروخًا دقيقًا ولا تمركزًا عسكريًا ، بل لحظة وعيٍ تولد في وجدان الناس حين يشعرون أنهم انتصروا ، “نشوة النصر” التي بدأت تلوح في وجوه السوريين بعد كسر تمدد أدوات إسرائيل الداخلية ليست حالة عاطفية عابرة ، بل تحوّل استراتيجي هائل في معادلة الصراع ، لأنها تعني أن الوعي خرج من دائرة الصمت ، وأن المجتمع استعاد صوته وحضوره في وجه المشروع المُراد له أن يُحكم من الخارج بأدوات الداخل .
إسرائيل تدرك جيدًا أن أخطر ما يواجهها ليس إطلاق النار ، بل أن تنكسر الهيبة . فحين ينجح مجتمع محلي في صدّ مشروعٍ رعته إسرائيل عبر بعض “الزعامات الدرزية العميلة” ، فإن ذلك لا يعني فقط إخفاقًا تكتيكيًا ، بل يُعلن عن ثغرة في الجدار النفسي الذي طالما بنت عليه تل أبيب قوتها . المعركة هنا لم تكن عسكرية بالمعنى التقليدي ، بل اجتماعية ونفسية ، انتصر فيها الطرف الذي امتلك القدرة على قول “لا” رغم ضغوط الداخل والخارج ، ورغم هشاشة المشهد السوري لعقد كامل .
في فلسفة الصراع ، لا ينتصر الأقوى دائمًا ، بل من يستطيع أن يغيّر تموضعه داخل المعادلة . والبدو “قبائل وعشائر” في الجنوب السوري (كحالة رمزية) لم يكونوا يملكون ترسانة ولا دعمًا خارجيًا ، بل امتلكوا شرط الفعل : وضوح الانتماء، والقدرة على التماسك أمام الاختراق . من هنا تحققت معادلة ردع لم تكن مرئية في ميزان القوى الكلاسيكي ، لكنها ظهرت في ميزان الواقع ، حين توقّف التمدد المدعوم إسرائيليًا، وارتبكت الحسابات .
النصر، كما يُفهم في العقيدة الإسرائيلية ، مرتبط بالردع: أن تهاجم دون أن تُردع ، أن تضرب دون أن تُحرج . أما حين تبدأ جماعة صغيرة بردع هذا المشروع ،لا بالسلاح فقط، بل بالموقف والرفض والثبات ، فإن فلسفة الردع تنهار من أساسها . ولهذا تحديدًا تخاف إسرائيل من نشوة النصر ، لأنها تعني أن هناك من بات يراها خصمًا يمكن هزيمته ، لا شبحًا يُسترضى أو يُتجنب .
في البعد الأعمق، نشوة النصر ليست موجهة ضد إسرائيل فقط ، بل ضد الهزيمة الكامنة في الوعي العربي ، ضد السردية التي جُبل عليها الناس بأن الخارج هو الأقوى ، وأن الداخل العربي لا يمكنه إلا أن يستسلم أو يتعايش . حين تنتصر جماعة على مشروع اختراق ، فهي لا تحمي أرضها فقط ، بل تُعيد تعريف ذاتها ، وتُعلن أنها تملك الإرادة لا الخوف ، وأنها ليست بانتظار من “يحررها” بل من يبدأ في حماية نفسه .
وهنا يصبح الخوف الإسرائيلي مبررًا ، لأن مثل هذه اللحظة لا تبقى محصورة جغرافيًا . هي تنتشر، تُقلق، تُلهم . حين يرى العربي في أي مكان أن سوريًا بدويًا صدّ امتدادًا إسرائيليًا داخليًا ، فإن الفكرة تصبح قابلة للتكرار . إسرائيل ، التي بنت أمنها على هندسة الفراغات واستثمار الانقسامات ، لا تحتمل أن ترى مجتمعًا يعيد لُحمته ويواجهها من دون مركزية ، من دون منظومة هرمية ، بل من خلال وحدة تلقائية تُفشل أدواتها قبل أن تصل .
الوعي المنتصر لا يُقصف ، ولا يُحتوى ، ولا يمكن هندسته . ولذلك ، فإن أخطر ساحة على إسرائيل اليوم ليست الميدان ، بل عقل الإنسان . فحين تتحرر الشعوب من الخوف ، يتهاوى كل نظام احتلال مهما بلغت قوته . وأي لحظة انتصار محلي ، حتى لو لم تُغيّر التوازنات الكبرى، فإنها تُرسل إشارة لا تخطئها العين: يمكن هزيمة هذا الكيان، ويمكن ردعه، ويمكن الوقوف في وجهه ولو بأبسط الوسائل، شرط أن توجد الإرادة .
من هنا نفهم هذا التوتر (الإسرائيلي–الأميركي) في قراءة المشهد ، فبينما تدفع تل أبيب نحو مزيد من الفوضى لتوسيع نطاق هيمنتها ، تحاول واشنطن، بعقل بيروقراطي أكثر تحفظًا ، أن تُنقذ حليفها من الوقوع في فخ التمدد المفرط ، وتدرك أن ما يجري في الجنوب السوري قد ينقلب إلى كرة نار تتدحرج نحو الجولان ثم إلى عمق الجبهة الشمالية .
وفي العمق ، فإن كل نصر صغير يراكم إمكانية النهوض العربي ، لا لأنّه يُسقط عدوًا فحسب ، بل لأنه يُسقط أوهامًا داخل الذات . ولعل هذا ما تخشاه إسرائيل أكثر من أي صاروخ: أن تنهار السردية التي تأسس عليها وهم التفوق ، وأن يبدأ الإنسان العربي بالشعور أنه ليس رهينة الماضي ، بل صانع لمعادلة جديدة، قوامها: نحن هنا، ولسنا وحدنا، ولسنا بلا حول ولا قوة .
- كاتب سعودي


























