تغير النظام في سوريا، ومعه تغيرت الأولويات والاهتمامات السورية، فالنظام الجديد ذاهب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام الدولة المنهارة، وبالتالي إنقاذ نفسه من الفشل، البنى التحتية بمجملها خربة، والاقتصاد شبه مشلول، والوضع الأمني والإداري تتقاذفه انقسامات الأمر الواقع، ونصف الشعب ما بين مهجر ومهاجر، والباقي محروم من مستلزمات النمو الطبيعي، نظام لا تراكم لديه غير المعضلات، لقد جاء قبل الصفر بقليل، وما زاد الطين بلة، هو التخريب الإسرائيلي الممنهج لمساعي النظام الجديد، لإعادة بناء المقدرات السورية وخاصة في مجال الأمن والدفاع وإعادة تأهيل الكيان السوري داخليا وخارجيا، على الرغم من إعلان سعيه لبناء علاقات حسن جوار وسلام مع كل جيرانه، بما فيهم إسرائيل، خاصة وأن عملية التطبيع السياسي والميداني مع الأمريكان والأوروبيين قد أثمرت عن نتائج ملموسة، كان أهمها الرفع التدريجي للعقوبات القاسية المفروضة على سوريا.
تصرفات إسرائيل تشي بسقوف عالية تتجاوز قضية انتزاع الجولان نهائيا ضمن سياق تطبيعي مناسب مع سوريا، وقضية عدم ثقة إسرائيل بنظام أحمد الشرع التي أثارها وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أثناء زيارته للبنتاغون مؤخرا، تؤكد أن إسرائيل ازاء وجبة دسمة لا غنى عنها في رسم الموائد غير المستديرة للشرق الأوسط الجديد الذي لطالما تغنى به نتنياهو، ومن ثم تناغمه غير المباشر مع الإيحاءات الأمريكية الناقدة لسايكس بيكو والتي وردت على لسان توماس باراك وضمنا في ثرثرات ترامب المتعلقة بمشاكل الشرق الأوسط، فمن يستسهل تهجير أهل غزة وإقامة ريفييرا على أرضهم، لا يستصعب تقبل فكرة إقامة كيان درزي يتدرج من فدرلة منطقة الجنوب السوري منزوع السلاح ليحقق عدة أهداف وبضربة واحدة، منها أولا خلخلة التركيبة الديموغرافية لمصلحة غلبة المكون الدرزي في الجنوب الغربي من سوريا «المنطقة المنزوعة السلاح» والتي تضم القنيطرة ودرعا والسويداء على حساب العشائر العربية المتواجدة، ثانيا تجهيز مقدمات لبلورة كانتون درزي جامع بصيغة مطاطة، تضم الجولان السوري والسويداء وما بينهما، بتخادم مع شيوخ العقل الدرزي من أمثال موفق طريف وحكمت الهجري، ثالثا طرح مشروع للحكم الذاتي الإسرائيلي للدروز في كل أماكن تواجدهم في الجليل أو الجولان لينسجم مع كانتون السويداء، وفي جبل لبنان أن تحرك دروزه، وكل هذا بحماية أمنية إسرائيلية، رابعا جعل موضوع دروز السويداء مقدمة لسلوك مماثل من قبل الإدارة الذاتية الكردية في شرق سوريا لتقزيم مشروع الدولة الموحدة وجعلها تتقبل فكرة الفدرلة كمخرج مؤقت لساعة صفر جديدة متعلقة هذه المرة بتركيا ودورها في الشرق الأوسط، من خلال إشغالها بالإحاطة الكردية المقلقة عن لعب دور المترصد للمشروع الإسرائيلي للتسيد على مفاصل الشرق الاوسط !
إسرائيل أكثر من معنية بتغذية مشاعر الانفصال الكردي في العراق وإيران وسوريا وكذلك في اختراق الحالة الكردية في تركيا
إسرائيل أكثر من معنية بتغذية مشاعر الانفصال الكردي في العراق وإيران وسوريا وكذلك في اختراق الحالة الكردية في تركيا والاستثمار في تطوراتها، لرسم خرائط جديدة للشرق الأوسط الذي تريد!
إسرائيل لا توفر وسيلة لتحقيق أهدافها التوسعية في سوريا ومحيطها ولا توفر جهدا أو تكلفة ولا وسيلة إلا وجربتها، وهي تستثمر حثيثا بالتناقضات الداخلية لدرجة أنها تبدو متناقضة مع نفسها في مسعاها للتطبيع مع محيطها، فالفوضى الميليشياوية على حساب الدولة الضامنة في سوريا لا تخدم إسرائيل، إلا إذا كانت على يقين بأنها «فوضى خلاقة» حصيلتها مضمونة النتائج ولمصلحة إسرائيل حصرا وبالضد من مصالح كل الآخرين في الشرق الأوسط. اعتمدت إسرائيل في إعاقة النظام الجديد على منحيين متخادمين، الأول: التدخل العسكري المباشر من خلال قصف وتدمير البنى العسكرية القائمة، وإضعافها بما يكفي، لتكون أقل قدرة من ميليشيات الأمر الواقع، إضافة للانتقاص من سيادتها وهيبتها وبما يحفز المنافسين على عصيانها، وهذا ما تجسد وبشكل شبه يومي خلال الأشهر الستة من عمر الحكم الجديد، قصف الأعيان العسكرية في دمشق والساحل، احتلال المنطقة العازلة على طول حدود هضبة الجولان وإلغاء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 واعتبارمنطقة جنوب غرب سوريا من جبل الشيخ والقنيطرة الى جبل العرب في السويداء منطقة منزوعة السلاح، بقرار إسرائيلي ترجمته العملية، تعني، منع تواجد الجيش وقوات الأمن السوري في ثلاث محافظات سورية هي القنيطرة ودرعا والسويداء، وفعلا يجري تنفيذ هذا القرار من خلال قصف أي مظاهر عسكرية وأمنية للنظام الجديد في هذه المناطق بذريعة حماية أمن إسرائيل. والثاني : التدخل غير المباشر بذريعة حماية الأقليات ودعم الأنشطة الانعزالية لأي حراك محلي مضاد داخل سوريا يعارض الدولة السورية المركزية !
لا يكفي إسرائيل استيفاء سوريا للشروط الأمريكية !
قطع الطريق على إيران ومحاربة أي نشاط لها في سوريا وملاحقة أنشطة حزب الله، ومنع أي نشاط سياسي وعسكري فلسطيني داخل سوريا، والعمل المشترك مع الأمريكان في محاربة تنظيم الدولة، واطلاع الأمريكان على كل صغيرة وكبيرة بخصوص البناء العسكري والاقتصادي والسياسي الجديد، وبضمانات تركية وسعودية وإماراتية، جرى فتح صفحة جديدة بين النظام الجديد والإدارة الأمريكية، بنفس الوقت جرى إبلاغ الإسرائيليين بحسن نوايا حكومة أحمد الشرع وعدم ممانعتها لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، وجرت تسريبات عن لقاءات مباشرة بين الجانبين بوساطة طرف ثالث، كل هذه التطورات لم تثن إسرائيل عن عزمها بجعل الحالة السورية نموذجا وعبرة للآخرين في شرق أوسطها الجديد، ومن خلال سوريا ستنطلق إسرائيل للنيل من العراق وتركيا مرورا بلبنان، وبالتزامن تجري عمليات تصفية الحساب مع غزة والضفة مع الاستمرار بتضخيم مخاطر البعبع الإيراني لمزيد من الابتزاز لدول الخليج يبدو ظاهريا أن لإسرائيل وأمريكا أجندة مختلفة يعززها بعض عمليات تبادل الأدوار، لكن اختصاص إسرائيل الحصري هو الشرق الأوسط وعدم التطابق بين الاختصاصات يحسم عادة لمصلحة إسرائيل، إلا إذا كان الإمعان بالتخصص يفضي لانكسار شمولي للمصلحة الأمريكية وهذا ما لا يحدث غالبا !
كاتب عراقي
- القدس العربي


























