
تتابع الدول الغربية باهتمام ما يحدث في سوريا، وتتعامل مع الصراع الطائفي الذي أنشب مخالبه في عنق الحكومة الجديدة، كأنه اختبار عملي لها، عن مدى قدرتها بإبقائه “مشكلة داخلية” تستطيع احتواءها داخل حدودها، فلا يتسرب إلى محيطها الإقليمي والدولي، إلا وفق خريطة طريق معدة سلفاً لتمددها. بمعنى أن الدول تستكشف من خلال ما يحدث قدرة السلطة على “حصار العنف الجغرافي” من جهة، وإدارته من جهة أخرى، بهدف ضبط تحركات الفصائل العنفية أينما وجدت، وإبقاء نشاطها تحت السيطرة الحكومية، للتحكم بتوقيت التوترات المنظمة في منطقتنا، وغير المنفلتة دولياً، واستثمارها عند الحاجة.
في هذا السياق، يمكن قراءة ما حدث في سوريا من سماح حكومة الرئيس أحمد الشرع لآلاف من المسلحين غير التابعين للجيش السوري التابع لوزارة الدفاع السيادية، بالتحرك نحو السويداء والمشاركة في القتال ضد الفصائل المحلية (الدرزية)، بأنها محاولة فاشلة لاستخدام سياسة إدارة العنف غير المنضبط، أو ما يمكن تسميته استجابة غير واعية لهذا النمط من السياسات الأمنية الحساسة، حيث سمح للمسلحين بإدارة معركة أهلية كبديل عن الحل السياسي المأمول، أو توظيف انفلات العنف، وتغذية النزاع الطائفي مقابل السلم الأهلي.
فالقرار الذي اتخذته الدولة كمحتكر شرعي وحيد للسلاح، بددته بالتغاضي عن وجوده خارج سيطرتها لدى جهة دون أخرى، مع ما يمثل ذلك من مخاطر لاحقة على قدرتها في فرض سيطرتها في أماكن متفرقة من البلاد، يحكمها سلاح مواز لسلاح منفلت قبلت الحكومة بالصمت عنه، متجاهلة مبدأ المساواة أمام القانون. ما يكشف عن خلل بنيوي في إدارة هذا الملف، وعدم القدرة على فهم منعكساته على ملف المصالحة الوطنية. وهو إن استمر يُفقد وظيفة أساسية للدولة، وهي لعب دور الضامن للأمن المحلي، وتتحول هي نفسها إلى أحد أطراف النزاع الطائفي.
يمكن اعتبار أن الفخ الحقيقي الذي تستجر الدول إليه هو استثمار قوى “عنفية” غير حكومية في الصراعات الداخلية. ففي حال تمكنت هذه القوى من السيطرة أو التفوق في معركة ما، فإن نشوة تفوق قوتها لن تتوقف عن متابعة توسعها، واستمرار استقلاليتها عن الدولة، ما يعني أنها ستبقى تدير دولة داخل الدولة، وتفقد الحكومة الجديدة صفة السيادة على كامل سوريا، وتتحمل مسؤولية إضافية لإبقاء “العنف الجغرافي” المنفلت محاصراً داخل أراضيها، ما يحول البلد إلى صندوق صراع لا نعرف متى ومن يفتح غطاءه؟
ربما من قبيل الإصرار على إنجاح مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد القمعي، هو الطلب من حكومة الشرع التمسك بالقرار المركزي لإدارة السلاح ( القرار المركزي للجيش لا يعني التشجيع على الدولة المركزية)، لأن فوضى السلاح وما ينتج عنه من العنف يعني غياب القرار المركزي لوزارة الدفاع، باحتكارها وحدها السلاح وقرار المواجهة به. والسماح لأي جهة غيرها بممارسة الأمرين، يمثل انهيار مبدأ سيادة القانون، وتفكك العقد الاجتماعي (الذي يجب أن يكون محل نقاش الآن)، فالدولة التي تشرعن عنف بعض الجهات ضد أخرى، أي تبرر “العنف الانتقائي”، من خلال التغاضي عن وجود سلاح خارج مؤسساتها لأي جهة كانت، تسهم في تقويض سلطتها، وتحويل النزاعات المحلية إلى حروب أهلية مستدامة.
لهذا، فإن ما حدث في السويداء من الركون إلى القوة غير المنظمة في حل النزاع المحلي، هو وصفة مؤكدة لمزيد من الانقسام والتآكل الداخلي، ويمكنه أن يفتح المجال أمام جماعات مسلحة تتجاوز سلطة الدولة، بل تعيد الدولة حديثة العهد إلى ساحة صراع مفتوحة كما كانت منذ أشهر عديدة. والتعاطي مع الوضع على أنه “داخلي” محدود، هو تجاهل لعمق التشابكات الإقليمية والدولية التي تؤثر في كل طرف من أطرافه، سواء عبر تغذيته بالسلاح أو عبر تأجيجه سياسياً. فإنكار ما تعنيه امتدادات الصراع الخارجية حتى تلك التي تمر بدول “صديقة”، من شأنه أن يعيق الحلول الجذرية، حيث لم يعد ممكناً إدارة أزمة مركبة ومعقدة بعقلية محلية ضيقة، وبعواطف كاذبة، فالصراع تجاوز حدود الجغرافيا لمن يريد أن يعلم، وأصبح بلا شك جزءاً من لعبة أمم أكبر تراقب وتتصيد!
- المدن


























