شهدت الساحة السورية خلال الأيام القليلة الماضية إطلاق مبادرتَين سياسيتَين متزامنتَين، أثارتا تفاعلاً واسعاً ولغطاً إعلامياً كبيراً، نتيجة الخلط بين أهدافهما وتوقيتهما، ما فتح الباب أمام سيل من التأويلات والتخوينات والانسحابات، خاصة بعد الربط بين “مبادرة المئوية السورية”، التي أطلقها عشرات من الشخصيات العامة من داخل سورية وخارجها، وبين “مبادرة الإنقاذ الوطني السوري”، التي أعلنتها مجموعة من أعضاء مؤتمر الحوار الوطني السابق، وتوجهت بخطاب مباشر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وفيما أكد القائمون على “مبادرة المئوية” استقلالها الكامل عن أي كيان أو مبادرة أخرى، فإنّ انتشار البيانَين في توقيت واحد وتداول اسميهما على نطاق واسع، دفع بعض الأطراف إلى اتهام الموقعين بمحاولات لتأسيس جبهة إنقاذ أو التمهيد لانقلاب سياسي، وهي اتهامات نفاها القائمون بشدة، مؤكدين أن المبادرتين لا ترتبطان ببعضهما، لا تنظيمياً ولا سياسياً.
وأطلق عدد كبير من السوريين، من مشارب مهنية ومدنية وسياسية متعددة، مبادرة حملت اسم “مبادرة المئوية السورية”، تهدف إلى إعادة الزخم الشعبي للمسار الوطني في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتوحيد السوريين حول مشروع ديمقراطي جامع يستند إلى مراجعة نقدية شاملة للمرحلة الانتقالية.
وضمّت قائمة الموقعين سياسيين وحقوقيين وفنانين ومحامين وصحافيين وأطباء ومهندسين من داخل البلاد وخارجها، من أبرزهم: رجل الأعمال أيمن أصفري، والسياسي والممثل جمال سليمان، والمعارض جورج صبرا، والممثل فارس الحلو، والمعارض يحيى العريضي، والكاتب فايز سارة، والدبلوماسي السابق بسام بربندي، والمخرجة ريم علي، والحقوقي ميشيل شماس، والإعلامي إياد شربجي، إلى جانب شخصيات مدنية مستقلة.
وجاء في البيان: “وقعت سورية خلال الأيام الأخيرة في كارثة وطنية، بفعل ما جرى في مدينة السويداء، ما خلق ندباً عميقاً في النسيج الوطني، نتيجة سوء إدارة السلطة السورية المؤقتة، ولجوئها إلى الحل العسكري الأمني بدلاً من اعتماد الوفاق الوطني. نحن إذ نسلّط الضوء على أداء السلطة، فإننا لا نعفي أطرافاً أخرى من المسؤولية، لكن من المنطقي مخاطبة الجهة المسؤولة عن إدارة البلد”.
وأضاف البيان أن ما جرى في السويداء جاء بعد سلسلة مشاهد مؤلمة، منها أحداث الساحل السوري وتفجير كنيسة مار إلياس، محذراً من استمرار هذا النهج في أماكن أخرى من البلاد، ما يجعل “مصير الوطن السوري على المحك”. ودعا الموقعون إلى تجاوز الجراح والوقوف أمام ذكرى الثورة السورية الكبرى (1925–2025) بوصفها فرصة لإعادة بناء الهوية الوطنية السورية، مستحضرين أسماء مَن قادوا الثورة في بدايات القرن الماضي، وعلى رأسهم سلطان باشا الأطرش، في مفارقة تاريخية مع ما تشهده السويداء اليوم.
مبادرة “الإنقاذ الوطني السوري”: دعوة لحوار واسع تحت رعاية الشرع
بالتزامن، أطلقت مجموعة من أعضاء مؤتمر الحوار الوطني السوري السابق مبادرة أخرى حملت اسم “مبادرة الإنقاذ الوطني السوري”، توجهت إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، في ظل ما وصفته بـ”توتر غير مسبوق ينذر بانفجار وشيك ودخول البلاد في دوامة حرب أهلية مدمّرة”.
ودعت المبادرة إلى تشكيل هيئة وطنية رسمية للحوار الوطني السوري، تضم شخصيات مستقلة ومتنوعة فكرياً وسياسياً وقومياً، مع مراعاة تمثيل النساء والشباب. وتهدف هذه الهيئة إلى إدارة حوارات مجتمعية موسعة داخل وخارج البلاد، خلال مدة تتراوح بين عام و18 شهراً، بالشراكة مع النقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني.
كما اقترحت المبادرة العمل على رؤية وطنية جامعة تتناول أسس العقد الاجتماعي، والحقوق والحريات، وشكل النظام السياسي، واللامركزية، والدستور الدائم، والعدالة الانتقالية، والنموذج الاقتصادي لسورية المستقبل، والترتيبات الأمنية والحكومية، ومواجهة خطاب الكراهية. ومن بين موقّعي المبادرة: بولس حلاق، جمانة سيف، سوسن أبو زين الدين، طارق حمدان، فادي حليسو، معتصم سيوفي، منير الفقير، وغيرهم.
“لا علاقة بين المبادرتَين ولا وجود لكيان موحّد”
في حديث لـ”العربي الجديد”، أوضح الإعلامي إياد شربجي، أحد القائمين على “مبادرة المئوية السورية”، أنهم فوجئوا بمحاولة الربط بين مبادرتهم ومبادرة أخرى أُطلقت تحت اسم “مبادرة الإنقاذ السورية”، موضحاً أن “المبادرتَين جرى تشكيلهما خلال اليومين الماضيين، ولكن جرى ربطهما ببعض من خلال الاسم، مع العلم أنه لا وجود لكيان اسمه جبهة إنقاذ، وإنما هناك مبادرة إنقاذ فقط”.
وأضاف شربجي: “بدأ البعض يروّج أن الموقعين على مبادرة المئوية بصدد تشكيل مجلس عسكري، على غرار ما حدث في الانقلاب العسكري على مرسي في مصر، وكل هذا الكلام غير صحيح مطلقاً”، مشيراً إلى أنهم تعرّضوا لهجوم علني يوم الجمعة عبر منابر بعض المساجد، لا سيّما في حمص، إذ قال: “جرت مهاجمتنا على منابر الخطباء، خاصة من الشيخ محمود الدلالاتي، الذي وجّه لنا اتهامات بأننا نُحضّر لانقلاب ضد الشرع، وسط حملات تعبئة وتخوين غير مبرّرة”.
وبيّن شربجي: “على العكس، فمبادرتنا لا تدعو إلى إسقاط الدولة، بل نحن متهمون من أشخاص يُعتبرون خصوماً للدولة بأننا نوفر لها غطاءً أو فرصة لتبرير الانتهاكات التي حصلت سابقاً”. وفي منشور له على “فيسبوك”، ذكر أن عدد المنسحبين من المبادرة لا يتجاوز 11 شخصاً من أصل أكثر من 2500 موقع، محمّلاً “حملات التخوين والإرهاب الفكري” مسؤولية تلك الانسحابات.
انسحابات وتوضيحات
من بين المنسحبين، أعلن مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، سحب توقيعه، موضحاً أنه وقّع على البيان بصفته الشخصية بعد استلامه من شخصية يثق بها، إلّا أن تأويلات البيان دفعته إلى الانسحاب. وقال: “لست سياسياً، وأفضل الحفاظ على مسافة متساوية من جميع الأطراف… رغم توقيعي الشخصي، إلّا أن الفصل بين الشخصي والمهني مستحيل”. وأشار إلى أنه لم يتعرض لأي ضغوط، داعياً إلى مراجعة شاملة للمسار السياسي، بما يشمل العدالة الانتقالية، والحوار الوطني، والتدهور الاقتصادي.
كما نفى الفنان عبد الحكيم قطيفان انضمامه إلى أيّ مبادرة، رغم ورود اسمه ضمن الموقعين على “مبادرة المئوية”، وكتب في منشور على صفحته في “فيسبوك”: “لا أنتمي إلى أي حزب أو تيار، لا يساري ولا يميني، وموقفي ليس تهرّباً من المسؤولية، بل حفاظاً على مساحة من الحرية لرؤية الأمور على حقيقتها”، وأضاف: “أنا ابن سورية… وحمضي النووي مزيج من كل ثقافاتها”، مؤكداً دعمه لكل ما يصب في مصلحة استقرار البلاد، “أيّاً كان فاعله”.
- العربي الجديد


























