لم يكن مؤتمر نيويورك، الذي انعقد برعاية سعودية فرنسية في 29 تموز المنصرم، مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل بداية لتحوّل محتمل في التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية، خارج المظلّة الأميركية التقليدية.
من هذا المنطلق، دعا وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إلى تأييد وثيقة نيويورك “التي تتضمن مقترحات شاملة للمحاور السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية والقانونية والسردية الاستراتيجية، وتشكل إطارًا متكاملًا وقابلًا للتنفيذ من أجل تطبيق حل الدولتين وتحقيق السلم والأمن الإقليمي”.
وضع المؤتمر، الذي انعقد في مقر الأمم المتحدة بحضور نحو 140 دولة ومنظمة إقليمية ودولية، خارطة طريق متعددة الأبعاد للتعامل مع الملف الفلسطيني، وتفعيل مسار إقليمي ودولي جديد باتجاه بناء استقرارٍ طال انتظاره في المنطقة.
من هنا، يُعدّ إعلان نيويورك مسارًا سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا يُنفَّذ على مراحل، تدعمه برامج وخطط واقعية ومرنة تُنجز خلال فترة زمنية محددة، لإنهاء أزمة مزمنة طال أمدها. فهل من مصلحة واشنطن أن تعرقل هذا المسار الناشئ؟
المرحلة المقبلة مرشحة لحراك دبلوماسي مكثف تقوده الرياض وباريس، ويهدف إلى التهدئة في قطاع غزة، وتسريع الحوار الفلسطيني–الفلسطيني، والاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، ودمج إسرائيل في الإقليم ضمن مقاربة قائمة على حل الدولتين.
تشير مؤشرات عدة، على ضوء ما جرى في نيويورك، إلى نشوء تكتل غير معلن يتحرك بهدوء لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي، بعيدًا عن المظلّة الأميركية التي تُصرّ على توفير الحصانة والحماية لإسرائيل في مختلف الظروف.
انخراط فرنسا الفعّال في هذه الصيغة، كما برز في تحركاتها في المؤتمر، قد يعكس رغبة أوروبية في إعادة التموضع ضمن معادلات جديدة لا تخضع بالكامل لهيمنة واشنطن أو إدارة تل أبيب، كما هو الحال اليوم.
أما التصريحات والوعود الجديدة التي صدرت عن باريس ولندن بخصوص الاعتراف بدولة فلسطينية، فهي تعكس تحوّلات حقيقية في المواقف الأوروبية، لا سيما أمام المجازر التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، وسياسات الحصار والتجويع والتهجير القسري هناك.
لا يكفي أن يصرّح ستيف ويتكوف، المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، بأن دونالد ترامب هو “شرطي العالم حاليًا”، بل عليه أن يُقنع رئيسه بعدم الوقوف في وجه جهود عربية وأوروبية تسعى إلى إخراج المنطقة من أزماتها.
المرحلة المقبلة مرشحة لحراك دبلوماسي مكثف تقوده الرياض وباريس، ويهدف إلى التهدئة في قطاع غزة، وتسريع الحوار الفلسطيني–الفلسطيني، والاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، ودمج إسرائيل في الإقليم ضمن مقاربة قائمة على حل الدولتين.
لذلك، فإن خارطة الطريق ستمر عبر عدة مراحل:
أولًا، زيادة عدد الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية، في امتداد لحراك بدأ قبل 37 عامًا، وأسفر حتى الآن عن اعتراف نحو 140 دولة.
ثانيًا، التحضير لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول، سعيًا للحصول على توصية أممية تتبنى إعلان نيويورك ومضامينه.
ثالثًا، نقل الملف إلى مجلس الأمن بهدف إصدار قرار غير ملزم (وخارج البند السابع) يدعو إلى تنفيذ الوثيقة، ويُقنع واشنطن بعدم استخدام الفيتو.
رابعًا، صدور بيان أممي باسم مجلس الأمن يعلن انطلاق المسار الإقليمي الجديد دون الحاجة إلى قرارات إضافية.
إسرائيل، التي خرجت بتجميل لصورتها من مؤتمر مدريد عام 1991، تعاني اليوم من واقع مختلف تمامًا نتيجة ممارساتها في الأراضي الفلسطينية، والتي تجرّ معها أميركا نحو أزمة دولية متزايدة. من هنا، على واشنطن أن تغتنم فرصة إعلان نيويورك لتحرير نفسها من القيود الإسرائيلية.
العقبة الحقيقية تبدو أميركية قبل أن تكون إسرائيلية. لكنها قد تكون فلسطينية أيضًا، إن لم تتحرك القيادات الفلسطينية سريعًا لصياغة رؤية وطنية موحدة تتفاعل بجدية مع هذه التطورات، قبل أن تضيع فرصة قد لا تتكرر لعقود.
وثيقة نيويورك لا تسعى فقط إلى إحياء خيار حل الدولتين، بل تعكس حجم التوافق الدولي، شرقًا وغربًا، على ضرورة صياغة آلية جديدة تحقق الأمن والاستقرار في المنطقة، تحت شعار: “التحالف العالمي من أجل حل الدولتين”.
العقبة الحقيقية تبدو أميركية قبل أن تكون إسرائيلية. لكنها قد تكون فلسطينية أيضًا، إن لم تتحرك القيادات الفلسطينية سريعًا لصياغة رؤية وطنية موحدة تتفاعل بجدية مع هذه التطورات، قبل أن تضيع فرصة قد لا تتكرر لعقود.
خصوصية رسائل نيويورك تكمن في تأكيدها أن لا شرق أوسط جديد، ولا تطبيع عربي مع إسرائيل، دون القبول بحل الدولتين باعتباره المسار الواقعي والأفضل للاندماج الإقليمي.
لكن أهميتها أيضًا أنها تنطلق من داخل الولايات المتحدة، المكان الذي استضاف مقر الأمم المتحدة منذ عام 1945، لتُوجّه عبره رسالة مباشرة إلى واشنطن: أصغِ إلى هذا الصوت الدولي، وتعامل معه بجدية وواقعية.
فما الذي ستفعله إدارة ترامب؟ هل تسعى لإجهاض إعلان نيويورك لإرضاء إسرائيل؟ أم ستختار أن تواكب هذا التحول التاريخي وتُساهم في صناعة شرق أوسط جديد أكثر استقرارًا، قد يُخفف من أزماتها هي الأخرى؟
- تلفزيون سوريا



























