نشرت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية تقريرًا حول الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي السورية، والتي وصفتها بأنها “غير مسبوقة” في نطاقها وأهدافها، مستهدفة مواقع عسكرية ومدنية في دمشق والسويداء. وبحسب الصحيفة، فإن إسرائيل سوّقت لهذا العدوان بوصفه “خطوة دفاعية لحماية الطائفة الدرزية”، في وقتٍ تتصاعد التوترات في الجنوب السوري بين الفصائل المحلية والعشائر البدوية، وتسعى الحكومة السورية الجديدة إلى ترسيخ سيادتها الوطنية. التقرير يسلّط الضوء على الاستراتيجية الإسرائيلية الأوسع التي تتجاوز مزاعم الحماية، وتهدف إلى تقويض وحدة سوريا وتعزيز الانقسامات الطائفية، بما يخدم مشروعها التوسعي طويل الأمد في المنطقة.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
جرى التسويق للقصف الجوي الإسرائيلي غير المسبوق على سوريا في هذا الشهر، والذي استهدفت من خلاله مواقع عسكرية ومدنية بدمشق والسويداء على أنه إجراء وقائي لحماية الطائفة الدرزية، وهذا الموقف مثير للسخرية فعلاً، نظراً لمواصلة إسرائيل حربها على الشعب الفلسطيني الذي يضم أقلية مسيحية في غزة.
أتى العدوان الإسرائيلي بعد تدخل الحكومة السورية في الجنوب وسط تصاعد العنف بين الفصائل الدرزية والعشائر البدوية.
يصب هذا التدخل ضمن مساعي الحكومة السورية لترسيخ سيادتها الوطنية ولاستعادة كامل سلطتها وسيطرتها على الأراضي السورية، في ظل سعي جماعات أقلوية مدعومة من دول أجنبية لإقامة جيوب طائفية أو عرقية.
قبل ذلك الهجوم، روجت إسرائيل للسردية التي ترى بأن الحكومة السورية الجديدة باتت على استعداد لتطبيع العلاقات مع تل أبيب عندما تصبح الظروف مواتية، ومن تلك الشروط استمرار سيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان المحتلة، بيد أن دمشق أنكرت التقارير التي تحدثت عن قيام محادثات مباشرة بين الرئيس أحمد الشرع ومسؤولين إسرائيليين.
وبصرف النظر عن كل ذلك، يشير العدوان الإسرائيلي الأخير إلى فشل الدبلوماسية الإسرائيلية والضغوط العسكرية التي مورست على الإدارة السورية الجديدة، فقد صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن مطامح إسرائيل في سوريا تشمل إزالة المظاهر العسكرية في الجنوب، بذريعة حماية الدروز، غير أن الاستراتيجية الجيوسياسية الأوسع لإسرائيل باتت واضحة وهي إضعاف الحكومة السورية مع تعزيز الانقسامات الطائفية والعرقية.
يمكن لذلك الاضطراب المدبر أن يمكّن إسرائيل من ترسيخ احتلالها وتسريع انتزاعها للأراضي، وتوسيع نفوذها شرقاً عبر تحالفات مع فصائل أقلوية أخرى، مثل وحدات حماية الشعب الكردية.
كما أن الاستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى تقوم على تسليح الأقليات في المنطقة وذلك دعماً لأجندتها الجيوسياسية التوسعية، وهذا ما تجلى عبر التاريخ في كل من فلسطين ولبنان والعراق وسوريا.
تقسيم المنطقة
استعانت إسرائيل بالطائفة الدرزية ضد الفلسطينيين حتى خلال الإبادة الجماعية التي تشهدها غزة اليوم. وفي لبنان، دعمت إسرائيل جيش لبنان الجنوبي ذا الغالبية المسيحية، والذي حُل في نهاية المطاف في عام 2000 بعد الانسحاب الإسرائيلي. ومنذ فترة طويلة وتل أبيب تدعم الفصائل الكردية في شمالي العراق، وتضغط بكل ما أوتيت من قوة دعماً لمطامحها في الاستقلال.
بالنسبة لإسرائيل، فإن تقسيم المنطقة إلى كيانات عرقية وطائفية أصغر يخدم على المدى الطويل شرعية وجودها بوصفها دولة استعمارية استيطانية، وإضافة لذلك، تعتقد بأن تعزيز هذه الانقسامات يخلق إحساساً بالتوحد والاصطفاف بين الأقليات ضد الأكثرية في المنطقة، أي ضد العرب السنة على وجه الخصوص.
استعانت قوى إقليمية وأجنبية أخرى بهذه الاستراتيجية من قبل، فساعدت نظام الأسد على البقاء في الحرب السورية التي امتدت لـ14 عاماً.
تحول الزعيم الدرزي حكمت الهجري الذي دعم نظام الأسد خلال الانتفاضة السورية إلى شخصية محورية معارضة للإدارة الجديدة. إذ بعد سقوط الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول الماضي، أصبح الهجري ممثلاً لمجلس عسكري محلي يضم ضباطاً سابقين لدى الأسد، وهذا المجلس انحاز لإسرائيل ولوحدات حماية الشعب الكردية، إلى جانب مطالبته بفتح ممر بري شرقاً يبدأ من الجنوب السوري باتجاه قاعدة التنف العسكرية الأميركية، كما أن بعض أعضاء هذا المجلس أعلنوا ولاءهم لإسرائيل.
وبالتوازي مع الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع للحكومة السورية، طالب الهجري بإقامة ممر يربط السويداء بشمال شرقي سوريا، حيث تعمل وحدات حماية الشعب الكردية.
تسببت هذه المطالبة بظهور ردات فعل عنيفة، وخاصة في تركيا، بما أن قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبر وحدات حماية الشعب جزءاً أساسياً منها، رفضت أن تحل نفسها وتسلم سلاحها للحكومة المركزية بدمشق، بما أنها تنتظر الدعم من إسرائيل.
استنكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما فعلته إسرائيل ووصفها بالدولة الإرهابية الساعية لتقويض سيادة سوريا ووحدتها، رافضاً تقسيم سوريا إلى كيانات عرقية أو طائفية. ولكن، في ظل التوازن المتقلب للقوى الإقليمية عقب الحرب القصيرة بين إسرائيل وإيران، مارست تركيا ضبط نفس ملحوظاً إزاء إسرائيل، واعترفت بأن أي تصعيد يمكن أن يؤدي إلى انهيار الدولة السورية، وهذا ما يخدم المصالح الإسرائيلية.
مسار دبلوماسي
أتى رفض تركيا لمجابهة إسرائيل في هذه المرحلة نتيجة لجملة عوامل داخلية وخارجية، شملت التحديات الاقتصادية، والمعارضة السياسية في الداخل، وعملية حل حزب العمال الكردستاني التي ما تزال مستمرة حتى الآن.
في الوقت الذي ساعدت العلاقات مع إدارة الرئيس دونالد ترمب تركيا في السابق على مناصرة سوريا والدفاع عنها، كشفت الأحداث الأخيرة بأن من يثق بترمب لا يمكن أن يتصف بالحكمة، لأنه ليس بحليف يمكن الاعتماد عليه، لذا فإنه من الخطأ اتخاذ القرار بمجابهة إسرائيل عبر الاستعانة بالقوة الخشنة، استناداً إلى الاعتقاد بأن ترمب قد يؤيد ذلك ويدعمه.
ونتيجة لذلك، اختارت تركيا المسار الدبلوماسي، حيث انضمت لعشر دول عربية في شجب ما فعلته إسرائيل والتأكيد على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وبحسب ما ذكره الرئيس السوري أحمد الشرع، فإن تدخل أنقرة وبعض الدول العربية للوقوف ضد المخططات الإسرائيلية في سوريا قد “أنقذ المنطقة من مصير مجهول”.
بالنسبة لسوريا، فإن الخيارات الاستراتيجية ما تزال محدودة في وقت يحاول الشرع التعامل مع القوة العسكرية لإسرائيل التي تعمل على زعزعة الاستقرار، والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة. لأن مناصرة فكرة المواجهة العسكرية، في وقت لن تضبط إسرائيل نفسها أمام سوريا التي تفتقر إلى أي استعداد لمواجهتها، ليست أفضل خيار، خاصة إن تمخض ذلك عن مزيد من المكاسب لصالح إسرائيل.
في الوقت الذي ما تزال الإدارة الجديدة والشعب السوري يوليان الأهمية لإعادة الإعمار ونشر الاستقرار وبناء المؤسسات، من الضروري التفكير بالاستراتيجيات التي من شأنها زيادة الكلفة التي تتكبدها إسرائيل في أي عمل ضد سوريا.
نظراً للتعقيدات الجيوسياسية والأمنية، قد تستفيد سوريا من القنوات الدبلوماسية والتحالفات الإقليمية، وخاصة مع تركيا والسعودية والدول العربية المؤيدة لها، وذلك للوقوف ضد المطامح الإسرائيلية من دون أي تصعيد مباشر. كما أن تعزيز حالة التلاحم والوحدة في الداخل، وترسيخ الشرعية الوطنية، وعزل فصائل الأقليات التي تدعمها قوى أجنبية عبر ممارسة ضغط شعبي شديد عليها يمكن أن يسهم في الحد من نقاط الضعف لدى الدولة.
وفي نهاية المطاف، لا بد لصمود سوريا أن يقوم على حالة توازن ما بين المشاركة الدبلوماسية، والاستقرار في الداخل والاستعداد العسكري للتصدي للاستراتيجية الإسرائيلية ذات الأوجه المتعددة.
ومن الخطا المهمة في هذا الاتجاه خطوة التخلص من الخطر الداخلي المتمثل بوحدات حماية الشعب، وذلك بالتعاون مع أنقرة وأي تحالف يسعى لتحقيق ذلك.
أي بمعنى أصح: إن لم تسفر عملية التفاوض التي تجري حالياً عن تسليم سلاح وحدات حماية الشعب ونزعه، عندئذ لا مفر من القيام بعمل عسكري ضد تلك الجماعة المسلحة وذلك لمنع إسرائيل من الاعتماد على الأقليات ذات النزعة الانفصالية.
وهذه الخطوة قد تقوض أهمية ورقة الهجري بالنسبة لإسرائيل، كما يمكن أن تقف ضد التوسع الإسرائيلي في شرقي سوريا وشماليها وذلك من خلال حصان طروادة الدرزي.
وعبر تعميق العلاقات العسكرية والأمنية مع تركيا، وترسيم الحدود البحرية مع أنقرة، ورفع الجاهزية للعب على المدى البعيد، يمكن لسوريا في نهاية الأمر أن تزيد من التكاليف التي تتكبدها إسرائيل في حال تدخلها بسوريا مستقبلاً.
- تلفزيون سوريا



























