حسب مصادر محلية سورية فقد توغّلت قوة إسرائيلية بعربات «هامر» في بلدة بيت جن، التي تبعد قرابة 10 كيلومترات عن الحدود مع الجولان المحتل، أمس الأربعاء، وبعد اعتقالها ثلاثة أشخاص قام بعض أهالي البلدة بمحاصرة إحدى العربات والاشتباك معها مما أدى لإصابة عدد من عناصرها (اعترف الاحتلال بإصابة 6 عسكريين فيما ذكرت مواقع إخبارية إسرائيلية أن 13 جنديا أصيبوا بينهم ضابطان وجندي جراحهم خطيرة).
إثر ذلك بدأت القوات الإسرائيلية بقصف جويّ ومدفعي على منازل السكان، مما أدى لاستشهاد 13 مدنيا بينهم نساء وأطفال، وإلى أكثر من 25 جريحا، وإلى حالة نزوح كبيرة من المنطقة، وانتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة عن تشييع جثامين الضحايا وسط حالة غضب وحزن عارم، وكذلك لقطات لاحتراق الآلية العسكرية.
تزامنت المجزرة الإسرائيلية مع احتفالات جماهيرية في المدن السورية بمناسبة عملية «ردع العدوان» التي صادفت ذكراها السنوية الأولى، أول أمس الخميس، ومع مناورات أطلقتها الفرقة 210 الإسرائيلية منذ 3 أيام في اتجاه المناطق السورية، إلى جانب الفرقة 91 المسؤولة عن الحدود اللبنانية.
قدّمت إسرائيل روايتها عن الهجوم بالقول إن قواتها دخلت الحدود مع سوريا لاعتقال «مطلوبين من الجماعة الإسلامية»، وهو تنظيم لبناني طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من وزيري خارجيته وخزانته بحث إدراجه في قائمة «تنظيمات الإرهاب الأجنبية»، وهي حجة أمنية واهية وبائنة الافتعال، فيما عرض المتحدث باسم جيش الاحتلال ما سمّاه «مشاهد من الغارات التي شنّها سلاح الجو في منطقة قرية بيت جن بجنوب سوريا بعد الاشتباك مع العناصر الإرهابية، والتي أسفرت عن تصفية الإرهابيين من مسافة صفر»، وفي ذلك ما فيه من بؤس الدعاية الحربية التي لا يستقيم معها الإعلان عن قصف جويّ يسفر عن مقتل أشخاص «من مسافة صفر».
يبدو الهجوم الوحشيّ الأخير استكمالا للمناورات التي قادها رئيس الأركان إيال زامير والتي مهّدت عمليا لما حصل، وهو ما يتوافق أيضا مع مجريات التوغّل الأخير داخل سوريا الذي قام به رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، رفقة قادته العسكريين والأمنيين والسياسيين الكبار، وهدد خلاله الرئيس السوري أحمد الشرع.
واجهت الدورية المتوغّلة مقاومة لم تتوقعها من الأهالي مما يدلّ، أولا، على اعتبار جيش الاحتلال هذه التوغّلات اليومية صارت جزءا من روتينه العسكري ـ الأمنيّ، ويدلّ، ثانيا، على سوء تقدير قوات الاحتلال للعامل الإنسانيّ الذي لا يمكن أن يقبل بهذه الانتهاكات اليومية، ولا يمكن أن «يطبّع» مع حالة الإذلال والاستهانة بحيوات الناس وأرزاقهم وكراماتهم.
تكشف المجزرة الإسرائيلية الأخيرة، بداية، عن سياق سياسيّ لها يتعلّق بالغضب الإسرائيلي الناتج عن التقارب الأمريكي ـ السوري الذي مثّلته زيارة الشرع إلى واشنطن ولقاءه الرئيس دونالد ترامب، وليس هذا الغضب، في المحصلة، سوى جزء من امتزاج عاملين إسرائيليين متناقضين: شعور الحصانة والقوة الفائضة والاقتناع بإمكانية إخضاع الأطراف الأضعف منها في المنطقة، والإحساس بالضعف تجاه أمريكا، القادرة، في ظل الشخصية الخاصة لترامب، على جرح هذه الحصانة والقوة الفائضة وإخضاع إسرائيل لاستراتيجياتها للمنطقة والعالم، التي ترجّحها قدرات الدول العربية الخليجية، وأهمية الحفاظ على مصالح دول أخرى حليفة لها، كما هو الحال مع تركيا.
ويكشف تصدّي السوريين لقوة الاحتلال، الذي فاجأ إسرائيل وكشف عنجهيتها التي لا تشبع إلى القتل، العنصر الحرج في فكرة القوة الفائضة، كما يكشف لدى فئة غالبة بين السوريين، أن الانتقال من «ردع العدوان» الذي أدى لسقوط نظام طاغوتيّ لم يكن أحد يعتقد بإمكانية انهياره، إلى «بناء الدولة» وأولوياتها في التنمية والعدالة والبناء، وتحييد المخاطر، بما فيه الخطر الإسرائيلي الجاثم على الجميع، لا يتناقض مع «ردع العدوان» الإسرائيلي بالمعنى الأهليّ الذي حصل.
- القدس العربي





















