منذ أن قدّم ابن خلدون مفهوم العمران البشري والاجتماعي بوصفه نتاجاً للتفاعل بين العصبية، باعتبارها رابطة التضامن والولاء التي تجمع أفراد الجماعة، والعمران، بوصفه ما ينتجه الإنسان من تنظيم للدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، لم يعد ممكناً فهم السلطة بمعزل عن البنية الاجتماعية التي تُنتجها، فالدولة لا تعمل في فراغ، وإنما تستند في كل مرحلة إلى شبكات من التضامن والولاء تتغير أشكالها ووظائفها تبعاً لتطور العمران وتحولاته.
وبينما يكون المعيار لدى أبناء المدن مصلحة المؤسسات والتخصص وتقسيم العمل، تبرز العصبية بوضوح في المجتمعات التي تلعب الجماعة فيها دوراً أساسياً في تنظيم الحياة العامة، ولا تزال هذه الفكرة بعد أكثر من ستة قرون، تطرح لفهم كثير من المجتمعات، ومنها المجتمعات العشائريّة في محافظة دير الزور.
لا يمكن تفسير الجدل الذي يرافق كل تعيين في دير الزور، بالاعتبارات السياسية أو الإدارية أو الكفاءة وحدها، لأن المجتمعات العشائرية الديرية لا تنظر إلى المناصب العامة بوصفها مواقع خدمية أو سياسية يشغلها أشخاص، بل كمؤشرات على كيفية توزيع التمثيل بين عشائر الخطوط في المحافظة.
لذلك، فإن أي قرار يتعلق بتعيين محافظ أو مدير مؤسسة أو مسؤول في موقع خدمي أو سياسي، سرعان ما يتجاوز النقاش من كفاءة الشخص وخبرته، إلى المنطقة التي يمثلها، وأي خط عشائري ينتمي، وما إذا كانت العشيرة قد حظيت بنصيبها من الحضور داخل الإدارة أم لا.
ولفهم هذه الحساسية، لا بد من العودة إلى خصوصية هيكل دير الزور الاجتماعي الذي يتفرد عن باقي المدن السورية، إذ لا تقوم على تقسيم إداري فحسب، بل على تقسيم اجتماعي يعرف محلياً بـ”الخطوط” وهي وحدة اجتماعية تمتد أحياناً إلى أكثر من مئة كيلو متر، يجمع سكانها انتماء عشائري واحد.
ولذلك يقال “خط العكيدات” للدلالة على امتداد العشيرة من الحدود الشرقية لمدينة دير الزور حتى البوكمال على الضفة الشرقية للفرات، و”خط البكارة” للامتداد الغربي على الضفة نفسها حتى حدود الرقة، و”خط البوسرايا” في ضفة النهر المقابلة لخط البكارة، وتتكرر هذه الخطوط لتشكل الخارطة الاجتماعية للمحافظة.
في المقابل، نشأت مدينة دير الزور كجزيرة مدنية وسط محيط عشائري، وفق مسار تاريخي مختلف، فقد كانت مركزاً للتجارة والإدارة والتعليم، واستقرت فيها عائلات مدنية منقولة تنتمي لعشائر عريقة، مثل الخرشان والجويشنة والشلاهمة وغيرها، ليس لها امتداد في ريف المدينة ولا تنتمي إلى تلك الخطوط، لذلك بنت نفوذها على المكانة الاقتصادية والاجتماعية والدور الإداري الذي لعبته المدينة عبر عقود، وهكذا تشكل في دير الزور فضاءان متوازيان، فضاء ريفي تحكمه العصبية العشائرية، وفضاء مديني يقوم على علاقات أكثر تنوعاً واستقلالاً عن الانتماء العشائري.
هذه الثنائية تعد أحد نقاط الانطلاق الأساسية لفهم طبيعة السلطة المحلية في دير الزور، فالتعيينات الإدارية والسياسية لا تتحرك داخل مجتمع متجانس، وإنما داخل مجتمع ينظر من منطقين مختلفين للشرعية والتمثيل، منطق المدينة الذي يميل إلى الاحتكام للمؤسسات والكفاءة، ومنطق الريف الذي يرى في التمثيل امتداداً للتوازنات العشائرية.
هذه البنية تفسر أحد أهم جوانب الحساسية التي ترافق التعيينات في المحافظة، فالمجتمع لا ينظر دائماً إلى المسؤول بوصفه موظفاً فحسب، وإنما بوصفه ممثلاً لمنطقة أو خط العشيرة، ولذلك فإن النقاش لا يتوقف عند سؤال الكفاءة، بل يمتد إلى أسئلة من قبيل، من أي منطقة جاء؟ ومن يمثل عشائريا؟ وهل حصلت العشيرة على نصيبها؟ وهل رُوعيت التوازنات بين الخطوط المختلفة؟
لا يواجه المسؤول في دير الزور تحدياً إدارياً فحسب، بل يواجه ما يمكن وصفه بـ”ازدواجية الشرعية” فهو يستمد شرعيته من الدولة بحكم منصبه الرسمي، لكنه يعمل داخل بيئة اجتماعية تمنحه شرعية أخرى قائمة على الانتماء العشائري، ما يفرض عليه إدارة التوازن بين منطق المؤسسة ومنطق العشيرة.
فالمسؤول القادم من الخطوط العشائرية في دير الزور لا يدخل المنصب بصفته فرداً مستقلاً، بل يحمل معه شبكة من العلاقات، ويُنظر إلى تعيينه غالباً بوصفه مكسباً لعشيرته، لتبدأ المطالبة بالتوظيف والخدمات والامتيازات وتوزيع النفوذ، لذلك لا يتوقف نجاحه على الكفاءة وحدها، بل على قدرته في الموازنة بين المعايير الإدارية والضغوط الاجتماعية، فإن استجاب للأخيرة اتُّهم بالمحاباة، وإن تمسك بالمؤسسية اعتبر مقصراً بحق جماعته، وقد يصل العقاب حينها إلى حد العزل الاجتماعي داخل العشيرة، بينما قد يتمتع المسؤول القادم من خارج الخطوط العشائرية بهامش أوسع لاتخاذ قرارات أكثر استقلالية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا قد ينجح المسؤول الذي لا ينتمي إلى تلك الخطوط أكثر مما ينجح من يأتي من داخلها؟ إذ تبرز تجربة المحافظ السابق غسان السيد أحمد مثالاً على ذلك، فرغم خبرته الكبيرة في الإدارة والاقتصاد والقانون، واجه في دير الزور ضغوطاً مرتبطة بالتوازنات العشائرية، بينما حقق نجاحاً ملحوظاً بعد انتقاله محافظاً للقنيطرة، حيث عمل في بيئة أقل ارتباطاً بشبكات الانتماء المحلي.
فيما شكّل تعيين زياد العايش محافظاً لدير الزور ارتياحاً نسبياً لكونه لا ينتمي إلى خطوط المحافظة العشائرية، ما منحه هامشاً أكبر من الاستقلالية، لكن نجاح التجربة لا يرتبط برأس الهرم فحسب، بل بالبنية الإدارية المحيطة به، خصوصاً مع استمرار الحديث عن اختلال التوازن في بعض مواقع التمثيل في المحافظة والمؤسسات الرسمية، وحتّى في تعيين خمسة من أعضاء مجلس الشعب من خط عشائري واحد، الأمر الذي أعاد طرح سؤال التوازن الاجتماعي.
قبل عدة أشهر اعتصم عدد من ذوي المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذين تم تحويلهم إلى العراق، أمام مبنى وزارة الخارجية، مطالبين بالتحرك للكشف عن مصير أبنائهم، وكان معظمهم من أبناء محافظة دير الزور.
وخلال الاعتصام، طلب موظفون في الوزارة من المحتجين اختيار وفد يضم خمسة ممثلين للتباحث معهم وفهم مطالبهم، إلا أن المعتصمين لم يتمكنوا من الاتفاق على تشكيل الوفد، بعدما تحولت مسألة تمثيل الخطوط العشائرية إلى المعيار لاختيار أعضائه، وهكذا أخفقت المبادرة، إذ غلبت الاعتبارات العشائرية على الهدف الأساسي للاعتصام، حتى في قضية إنسانية تمس مصير أبنائهم.
في الإدارة العامة، لا يكفي وجود مسؤول مستقل في القمة إذا بقيت البنية المحيطة به تعاني من اختلالات في توزيع النفوذ، لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام إدارة دير الزور الجديدة يتمثل في بناء جهاز إداري يعتمد الكفاءة والتوازن، ويحول التنوع العشائري من ساحة تنافس على النفوذ إلى عنصر اجتماعي مندمج ضمن مؤسسات الدولة، وتلك مهمة صعبة على أي مسؤول في الدولة، لكنها ليست مستحيلة في حال فهم التركيبة الاجتماعية المعقدة لمحافظة صنعت الخطوط العشائرية من أبنائها شعباً انفعالياً في طبيعته.
- الثورة السورية


























