الوطنية السورية مثل عظمةٍ مكسورة، يمكن أن تلتحم في وضعٍ غير صحيح فتزول آلام صاحبها، إلا أنّه يعيش بقية عمره مشوَّهاً ما لم يتحمَّل آلام كسرها وإعادة تجبيرها بالطريقة الصحيحة. والإجماع الوطني الأوضح في سورية، إن لم نقل الأوحد، أنَّ الوطنية مكسورةٌ بفعل الضربات القاسية التي تعرّضت لها منذ 1963، وأنَّ سنوات الثورة، وما صاحبها من قتلٍ وظلمٍ وتهجير، فاقمت تصدّعات هذه الوطنية وتشظِّيها. ومن ثمّ، ثمَّة إجماعٌ نظري على ضرورة جبر هذه الوطنية المكسورة. فكيف تلتحم وهذا حالها على نحو صحيح من دون تشوهات؟
ومع أنَّ هذا الحديث طويلٌ ومتشعِّب، إلّا أنَّ النقاش الذي دار بشأن فكرة التحزُّب داخل مجلس الشعب يصلح مدخلاً مُهمّاً للتفكير في أخطار سوء التحام الوطنية السورية، ومن ثمّ بناء وطنية مشوَّهة؛ فقد أثار كلام أحد المؤثّرين المحسوبين على السلطة من تحت قبّة البرلمان جدلاً حين حذَّر من “التحزُّب” والدفع باتجاه الأحزاب، وكأنَّ فكرة الحزب مضادّةٌ للوطنية، أو كما لو أنَّها، بحسب قوله، طريقة يلجأ إليها الذين لم تُتح لهم فرصة المشاركة في التحرير عسكرياً، فيسعون الآن “إلى الدخول من خلال البرلمان”. ومع أنّه لم يحدّد إلى أين يكون الدخول، ولكن يبدو أنَّه يقصد إلى السلطة. وتابع المؤثِّر أنَّ “صوت الحزب تفكيكٌ لمجلس الشعب”، وأنّ صوتَ الحزب ضدُّ صوتِ الشعب، ومن ثمّ هو تفكيكٌ للشعب، وخيانة للشهداء وضحايا التعذيب.
يتكون الشعب من مواطنين، يجمعون أنفسهم في أجزاءٍ سياسية تسمّى الأحزاب السياسية إن أرادوا، وإن لم يريدوا ظلّوا مواطنين مستقلّين
وقال إنّ التكتلات والتحزُّب في البرلمان جريمة، وأضاف مؤثِّرٌ آخر يقف في جانب الأوّل: “بداية الخسارة أن نكون تكتّلاتٍ وأحزاباً”. وبطبيعة الحال، أثار هذا نقاشاً لافتاً بين السوريين، مفيداً بأيّ حال، إلّا أنّه ليس الموضوع الأكثر أهمّية، بل المهم أن نسأل: هل نتكلّم اللغة نفسها عندما نتحدَّث، تحديداً عندما نتحدَّث بوصفنا شعباً سورياً يتحدَّث إلى سلطة جديدة تعدنا بكثير من التنمية، وجبر الضرر، والعدالة الانتقالية، ونهاية عصر الظلم والقمع؟ بتقديرنا لا. نحن لا نتحدّث اللغة نفسها؛ فلا يزال السوريون يتحدّثون لغةَ السياسية في الفضاء العمومي، فيما تتحدَّث السلطة والمحسوبون عليها لغةَ الأيديولوجيات والشعبوية. وإنَّ مفهوم الحزب المُثار النقاشُ عنه في هذه الأيّام، ودلالاته، مثالٌ على هذا، فلنرَ كيف.
من السوريين من ردع العدوان بالفكر، والعلم، والانفتاح على العلوم الإنسانية والجدّ والمثابرة في تحصيلها، وهزيمة الطائفية وأدوات تقسيم المجتمع السياسي الذي عمد النظام البائد إلى تأجيجها. وقاموس هؤلاء قاموسٌ علمي منطقي وسياسي، وليس واحدٌ من هؤلاء في السلطة الحالية، بل إنّ غالبية الذين في السلطة هم من الذين غنموا السلطة بالجهاد بالبندقية، ولهؤلاء فهمٌ أيديولوجي ديني، ولا نقول فهماً دينياً. وليس في ذلك تقليلٌ من قناعاتهم، أو من بطولة مقاتليهم، ومن دورهم، ولا هي مقارنة من باب المفاضلة، بل من أجل القول إنّ ثمّة في الدنيا تعدّدية وتعاوناً، ولولا الفئة الأولى لما تمكّنت الثانية من تحقيق النصر، والعكس صحيح. في لغة المجاهدين والفصائل الدينية والمؤثّرين الشباب الذين تكلّموا من مبنى البرلمان، تدلّ كلمة التحزُّب على التقسيم، وترتبط بمظاهر التفرقة، والولاء المغلق، والعصبية، والانقسام داخل الأمّة، وامتلاك الحقيقة المُطلقة. وبهذا المعنى، هم على حقّ، خصوصاً إذا تذكَّرنا أنَّ الأحزاب التي عرفوها كلَّها على شاكلة حزب البعث، وكان التحزُّب مصنعاً للكراهية والتعصّب والتفرقة والأدلجة. ولكن يدلُّ مفهومُ الحزب عند سوريين آخرين على شيء آخر، وتحديداً عند الشباب السوري الذين آمنوا بالثورة طريقاً إلى الإنسانية والانفتاح والرفاه والسعادة. يدلُّ الحزبُ بالنسبة إليهم على جزءٍ من الكلّ، أي أنّه طريقٌ لتحقيق الوطنية السورية، وليس العكس. وهذا ما يدلّ عليه الأصل اللاتيني لكلمة “party” الإنكليزية، وهو الفعل اللاتيني “Partire”، ويعني التشارك، وتشير إلى الجزء الذي لا يكون الكلّ من دونه؛ فهو “part”، أي جزء، لا يكتمل معناه إلّا بفعل الوحدة السياسية المتمثّلة في مفهوم الدولة، والوطنية المؤسَّسة سياسياً وقانونياً. وهكذا، فالمعنى المعروف لكلمة “حزب” في لغة السياسية عكس ما أراده المؤثِّران المحسوبان على السلطة والمتكلّمان بلغتها؛ إنّه الشيء الضروري للوحدة بوصفه الجزء الذي يكوِّن الكلّ، وليس كما يفهمه المؤثّران بأّنَّه الذي يقضي على الوحدة؛ فالشعب يتكوَّن من مواطنين، يجمعون أنفسهم في أجزاءٍ سياسية تسمّى الأحزاب السياسية إن أرادوا، وإن لم يريدوا ظلّوا مواطنين مستقلّين. وكلمة “حزب” بهذا المعنى مختلفة عن دلالتها غير السياسية في التراث الإسلامي. لذلك هؤلاء المؤثّرون، بقدر ما هم ضحايا تقصيرهم في الفهم العلمي الأعمق للأفكار السياسية، فإنّهم أيضاً ضحايا ترجماتٍ قديمةٍ إشكاليةٍ صارت راسخة، ومنها ترجمة “party” إلى “حزب”. مع أنّها ترجمة صحيحة لغوياً، إلّا أنّ كلمة حزب تحمل دلالة تراثية تقلب معنى الكلمة المُترجَمة رأساً على عقب، فمع دلالة الحزب في التراث تُوضع الجماعة أوّلاً، ثمّ تكون لهذه الجماعة هُويّتها الخاصّة، كما في “حزب الله”، و”حزب الشيطان”، أمَّا مع الـ”party” فالكلّ أولاً، ثمّ ينقسم هذا الكلّ إلى أجزاء تحقّق أفكار التعدّدية، وشرعنة الاختلاف، وتمثيل جزء من الإرادة العامّة، وإمكانية تداول السلطة.
يحتاج المجال السياسي إلى لغة سياسية مدينية، لا إلى الركون إلى دلالاتٍ أيديولوجية أو تراثية
إذا اخترنا الفهم القائل إنَّ ممثّلي الشعب هم ممثّلو مناطق وطوائف وجماعات طبيعية، ثمّ أطلقنا على هذه الانتماءات الطبيعية اسم “مكوّنات الشعب”، كما هو رائجٌ هذه الأيّام، وكما عبَّر المؤثِّران اللذان أثارا هذا النقاش من مبنى مجلس الشعب؛ فإنَّنا نخون السياسة بوصفها فعلاً مدينياً، ونخون مفهوم الدولة بوصفها من ضروب تدبير الاختلاف، ووسيلةً لتجنيب البلاد العودة إلى الحالة الطبيعية حيث حرب الكلّ ضدّ الكلّ. ومع استمرار خيانة السياسة نحصل على وطنية مشوَّهة، غير مؤهّلة لأن تكون مفهوماً سياسياً قادراً على تحقيق رفاه الإنسان وكرامته وأمنه وحقوقه، أيّاً تكن حمولاته وانتماءاته. وقد نفكِّر في أنّ خيانة السياسة تبدأ من اللغة، ومن الدلالات؛ فالمجال السياسي يحتاج إلى لغة سياسية مدينية، لا إلى الركون إلى دلالاتٍ أيديولوجية أو تراثية تخصّ فهم شريحة بعينها دون غيرها. وليس المقصود هنا شريحة المتديّنين، أو شريحة السلفيين، بل الشريحة التي لم تُتعب نفسها أو لم تُتِح لها ظروفها تعلُّم لغة السياسية وإتقانها قبل أن تتكلّم في السياسة وشؤونها، وقبل أن تقدّم الدروس التوعوية فيها، كما قدّم المؤثِّر نفسه؛ فللتوعية لغتها، ولا يمكن أن ندَّعي التوعية السياسية باستخدام لغة التبشير الديني؛ فهذا شيء، وذاك شيءٌ آخر. ولا يحقّ لأحد أن يلوم المؤثِّرين على ما قالاه، ولكنّ الملامة الحقيقية تقع على عاتقنا جميعاً بوصفنا الكلّ السياسي الذي يسمّى شعباً، لأنّ علينا أن نتعلّم لغة السياسة، وألَّا نخلط ما نستبطن من فهمٍ لبعض الكلمات من تراثنا، مع الفهم السياسي الحديث الذي يستخدم هذه الكلمات نفسها للدلالة على مفاهيم سياسية علمية حديثة تخدمنا جميعاً، وتخدم مشروع بناء الوطنية السورية الجديدة التي نطمح إليها، ومن أجلها قدَّمنا التضحيات.
- العربي الجديد

























