بعد عام على سقوط نظام الأسد، ما تزال عبارة “كنا عايشين” تتردّد على ألسنة شرائح واسعة من السوريين، وخصوصًا في المدن الكبرى، في احتجاج ضمني على الثورة والاحتجاجات في مواجهة نظام الأسد القاتل للحياة، ورضى ضمني وعلني عن ظروف المعيشة أيام الأسدية، حيث المعيشة تتلخص بالأكل والشرب والجنس، وباختصار بالمعنى البيولوجي للحياة، في حين كان مطلب قسم آخر من السوريين، وهو الذي وعى المعاناة من النظام الأسدي وتعرض بشكل أكبر إلى الفظائع: الحياة، بالمعنى الأوسع من المعني البيولوجي، بما تحمله من إمكانات نمو وتطور وآفاق مستقبلية واسعة.
ما تشير إليه عبارة “كنا عايشين” أنها ترسم ملامح عالم السكون أو السجن بالرضا، حيث تتلخص الحياة بتوفير أسباب المعيشة التي تحافظ على البقاء من ناحية بيولوجية، ولا تتضمن أي ضمانات بشأن جودة الحياة المعيشية. وبالتالي، تشير إلى مفهوم للحياة تُعطى فيه الأولوية للحقيقة البيولوجية المجردة للحياة على حساب طريقة عيشها من حيث إمكاناتها وقدراتها الكامنة. ومن ناحية أخرى تشير إلى رضى وفي أفضل الأحوال عدم رفض قوالب وأنماط القمع التي تفرضها السلطات بقصد تأبيد سلطانها، فهي تختزل آفاق الحياة إلى مجرد بُعدها البيولوجي، ولا تأخذ في الاعتبار الظروف الفعلية للحياة، لدرجة أنها كوّنت ذهنية موازية للقمع جوهرها الابتعاد عن الشأن العام وتركه لأولي الأمر…
كما تكشف العبارة نفسها عن عالم من الهشاشة المطلقة والانكشاف التام للبشر وظروفهم أمام آلة الهيمنة وبالتالي تلغي تماماً أي إمكانيات للأمان خارج هيمنة السلطات، حيث تصل في بعض الأحيان إلى إلقاء اللوم على “الضحية/ المعتقل/ المقاوم” كونه تمرد على مطلق السلطة، وبالتالي تحمله سبب اعتقاله وحتى موته تحت حجج ساذجة مفادها: لو أنكم لم تقاوموا لما اعتقلتم، ولو أن تلك المظاهرات لم تخرج لما قصفتكم الطائرات، باختصار تقلب المعادلة، وتجعل من السبب نتيجة، مبررة للسلطات ارتكاب الفظائع، وهذا أحد الأبعاد الكارثية والسياسية لتلك الذهنية، حيث شكّلت العبارة غطاءً لواقع سياسي راسخ عماده حياة بلا حقوق ولا مشاركة.
تجرّد ذهنية “كنا عايشين” البشر من هوياتهم السياسية والاجتماعية، وتختزل فرديتهم إلى مجرد وجود بيولوجي من دون حقوق أو بيئة قانونية، حيث تركز السلطات على سعيها لتأمين ظروف معيشة توفر أسباب البقاء (لا يوجد شيء أكثر وحشية من غريزة البقاء فقط)، التي يمكن وصفها بأنها ظروف إنتاج عالم الموتى -الأحياء، حيث تُلغى القيم، وتُقطع الروابط، ويُمحى الأشخاص، ويدفن كثيرون في المقابر الجماعية ناكرين هوياتهم وحق ذويهم في معرفة قبورهم وحتى الحزن عليهم….
في عالم السكون الذي تغلفه ذهنية “كنا عايشين” لا مجال لأن تفكر وتتخذ أي قرار بحرية، لأنه ببساطة البشر غير مهمين، فقط الأجهزة هي من يقرر. حيث يصبح الإنسان مسكوناً بالخوف من تسلط آلات القتل، وبالتالي تخلق أشخاصاً ذوي تكوين ثنائي، شخص مطيع جداً من جهة، ومن جهة أخرى، شخص تسلطي عندما تسنح له الظروف، لا يمكنه سوى التعبير عن نوع الطعام الذي يفضله، ولتكتمل لعبة الموت تلك، تسمح آلات القتل وأجهزته بالسماح لمثقفي “المكونات” بالتعبير عن رأيهم في ضرورة الإبادة الفيزيائية لحاضنة الطرف الذي يوصف بالإرهاب، أو للخطابات الطائفية التعبير بحرية عن دعوات الإبادة أو الإقصاء، في حين يغيب أي اعتراض على السلطة ذاتها.
أكثر ما ينطبق على الثورة السورية منذ أن انطلقت أنها مشروع حلم، وحلم مستحيل في عيون كثير من السوريين في مواجهة “أبدية” الأسدية، وحلمها المشروع في كسر قوالب عالم “كنا عايشين” والانطلاق نحو عالم نريد أن نحيا بكرامة هو ما وفر لها شروط ديمومتها وفي النهاية انتصارها على أبدية الأسدية، فكانت في شكل من الأشكال خرقاً للمستحيل، حيث حطمت غطاء البئر (الجب) الذي رمتنا فيه الأسدية، وفتحت لنا الفضاء لنتنفس بحرية ونصرخ بأعلى الأصوات: رحل الأسد، بقيت سوريا. عاشت الحرية، باختصار فتحت الباب لنعيش كبشر حقيقيين بقصصهم وآلامهم، حزنهم وفرحهم، انتكاساتهم وتقدمهم، بشر يمكننا النضال والدفاع عن كياننا، لا كأرقام في عوالم السجون والمقابر الجماعية، أو كهياكل في شكل أحياء ….
ما وفره انتصار الحلم لجميع السوريين، بمن فيهم أنصار عالم السكون، أنه فتح الباب أمامهم نحو عالم أرحب، عالم يمكن للجميع فيه أن يتشاركوا ببناء شخصياتهم المستقلة وتشكيل هوياتهم السياسية والاجتماعية بعيداً عن عالم السكون حيث تتجلى الحياة بالاستيقاظ كل يوم، والذهاب إلى العمل، وكسب بعض المال، والعودة مساء إلى المنزل محملاً بوسائل البقاء من غذاء، ومشاهدة التلفاز، ثم النوم، وتكراره مجددًا في اليوم التالي، وبالطيع من دون نسيان دفع فواتير الخدمات البائسة التي تقدم كمزايا من القيادة وانتظار المكرمات. باختصار، وفر نجاح الثورة الطاقة اللازمة للحلم كبديل عن الجماد…
من المدهش أن كثيرين في عالم اليوم لا يريدون الاستمتاع بتجربة الحرية والانطلاق نحو حياة جديدة بعيدة عن التوجيهات والأوامر، والانطلاق نحو خوض تجربة جديدة لحياة محمّلة بالأمل، الأمل في عالم أفضل، عالم يضمن توفير شروط حياة كريمة وحرّة، رغم أنها الوصول إليه يحتاج لاستمرارية النضال واستمرارية الانحياز لقيم الحرية وحق البشر، وهو ما يكشف عمق ذهنية “كنا عايشين” التي تعمل على تطبيع هشاشة الإنسان أمام السلطة، لدرجة أن يصبح الخضوع شرطًا للبقاء، وتتحوّل هذه الهشاشة مع الزمن إلى تبرير صريح للعنف.
- تلفزيون سوريا






















