ثمّةَ مظاهرُ رسميةٌ تحاول اختزال تاريخ النضال السوري من أجل الحرية إلى ما بين الثورة في عام 2011 وسقوط نظام عائلة الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. وذلك إجحاف كبير، يتجاوز السياسي إلى الأخلاقي. وفي الحالَيْن، يسقط حقّ أجيال من السوريين واجهوا الدكتاتورية أكثر من نصف قرن. وهناك سجلٌّ تاريخيٌّ حافلٌ بالتضحيات التي قدّمها السوريون، وشواهد كثيرة حاضرة بقوة في مجازر حماة وحلب، وسجون تدمر والمزّة، والتصفيات الجسدية التي طاولت شخصيات وطنية في الداخل والخارج، ومن أبرز الضحايا صلاح البيطار، الذي اغتالته أجهزة الأسد الأب في باريس عام 1980.
ضحايا العهد البائد من المحافظات والمنابت والفئات السورية كافّة، ولا تقتصر على منطقة أو طائفة أو حزب سياسي. وهذا يرتّب على الجهات المسؤولة أن ترى بتجرّد، وبلا انحياز مسبق، تاريخَ الحقبة السوداء بعيونٍ مفتوحةٍ في جميع الجهات، وهذا هو المدخل إلى الإنصاف. وغني عن القول إن للضحايا حزمة من الحقوق لا يمكن للدولة أن تغضّ الطرف عنها، وترميها على ظهر النظام البائد. الاعتراف قبل كل شيء حقٌّ يكفله القانون لكل من تعرّض لبطش النظام وإجرامه، من اعتقال وسجن، وتعذيب ومصادرة للحرية والقتل. ويمكن، في السياق، الاستئناس بتجارب شعوب كثيرة مرّت بظروف مشابهة، وواجهت بشجاعة وشفافية الانتهاكات التي عاشتها في حقبة سابقة، وأتاحت للجان حقوق الإنسان والهيئات الرسمية المعنية العمل معاً من أجل فتح دفاتر الانتهاكات من دون تحفّظ، وإعلان الحقائق كاملةً أمام الرأي العام، ومن خلال وسائل الإعلام، وأفسحت المجال للمواجهة بين الضحايا والجلّادين، وتكفّلت المؤسّسات الرسمية بعملية التعويض وجبر الضرر.
يتعلّق الأمر في جانب منه بالعدالة الانتقالية التي لم تأخذ مجراها بعد، وهناك مئات آلاف ممن وقع عليهم ضرر من عسف نظام آل الأسد 55 عاماً ينتظرون الشروع في إجراءات المحاسبة والإنصاف والتعويض. والملاحظ أن هناك تريثاً على هذا الصعيد، فبعد تشكيل الهيئات المعنية في مايو/ أيار الماضي، لم يُنتقَل إلى الخطوة الثانية، وقد يكون السبب ضخامة المهمّة الملقاة على عاتق هذه الهيئات، التي تواجه زخماً هائلاً من الانتهاكات التي قام بها العهد البائد، والشاهد على ذلك المقابر الجماعية التي يُكشَف عنها بصورة متواصلة وفي مناطق مختلفة من الجغرافيا السورية، وثمّة معوقاتٌ أخرى تتعلّق بالخبرات والإمكانات المتاحة، وما يستغرقه تأهيل فرق متخصّصة يجري حالياً تدريبها في عدّة بلدان شهدت حكماً ديكتاتورياً وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
إذا سار هذا المسعى في منحىً سليمٍ، فإنه يفضي حكماً إلى تسوية تاريخية ينتظرها السوريون بفارغ الصبر، وهي متعدّدة الأوجه، وتشمل المصالحة بينهم وبين تاريخهم، بعد تخليصه من أوزار العهد البائد، الذي عمل طويلاً في زجّ الشعب في معارَك داخلية ذات أبعاد طائفية ومناطقية وعشائرية، كي يتسنّى له الحكم بارتياح، بلا معارضةٍ تطالب بالحقوق والحريات. وتقع على الدولة اليوم مسؤولية ردم الهوّة من أجل بناء السلام الأهلي، ونزع عوامل التوتّر والتحشيد القائم، الذي يقود نحو التمترس وراء هُويَّات ضيّقة تدميرية تقود البلاد إلى الحروب والفوضى.
من بين النتائج المهمّة التي تؤدّي إليها التسوية المنشودة وضع آليات لحقوق الإنسان، ومراقبتها بصورة دائمة، كي لا يتم الإخلال بها، وإدخال إصلاحاتٍ فعلية على عمل أجهزة الدولة المتخصّصة، وهذا أمر ذو مفعول إيجابي على المديَيْن القصير والبعيد. فمن جهة ينصف ويعوّض الضحايا، ومن جهة أخرى يرسي دعائم دولة الحقّ والقانون، ويحمي حرية التعبير من أيّ انتهاك، ويشقّ الطريق إلى حياة سياسية صحّية.
- العربي الجديد






















