
كل ما يحصل في حياتنا منذ الثامن من كانون الأول إلى اليوم هو حدث عادي، أمر بديهي وروتيني، ولكنه بالنسبة لنا، فإن أكثر الأمور العادية كانت حلماً، وبعضها ما كان يخطر لنا أن نعيشه.
أن نأتي إلى سوريا أنا وغيري من ملايين السوريين هو أمر ظنّ بعض منا أنه لن يتحقق، أن أكتب في صحيفة الثورة السورية، والتي كانت لعقود صحيفة نظام قاتل ومجرم، فهذا ما لم يخطر في البال يوماً، والانتقال من الاستثنائي بعد عقود إلى العادي ليس بالأمر اليسير، وخصوصاً أن هذا الاستثنائي دمر الحجر والبشر، وقتل وهجّر على مر عقود ملايين البشر.
إجرام نظام الأسدين لم يبدأ مع انطلاق الثورة السورية، ولم ينته أثره مع سقوطه، اليوم، نحن على مشارف عام على هروب بشار الأسد ونيل السوريين لحريتهم، وكان لا بد أن أكتب هذه السطور القليلة، لأذكر نفسي أولاً والآخرين أن ما مرت به سوريا لم تمر به دولة أخرى في العالم؛ أن يكون المسؤول والمكلف بحماية سوريا والسوريين مسؤولاً عن كل هذا الخراب والموت الذي حل بها.
لم ننتقل بعد للدولة المنشودة، ولكن الانتقال من الحالة التي كانت بها سوريا إلى دولة المواطنة والعدالة، دولة ينعم شعبها بخيراتها، أمرلا يتم بأسابيع وشهور، بل وقد يتطلب أعواماً نرغب بألا تطول، لم ننتقل بعد، ولكن خطونا خطوات كبيرة داخلياً وخارجياً، وعادت سوريا لتسترجع المكانة التي تستحق وتليق بها.
التحديات اليوم كثيرة، وصحيح أن أصدقاء سوريا كثر، ولكن الأعداء أيضاً موجودون، أن يعلن أكثر من مرة الرئيس أحمد الشرع أن دمشق ليست تهديداً لأحد لا يبدو أنه يكبح أذى البعض وتحديداً إسرائيل، التي يهرب رئيس وزرائها إلى الأمام من مشاكله الداخلية بالإصرار على افتعال معارك وحروب تقيه من المحاسبة داخلياً.
إيران بدورها، ومن يدور بفلكها من ميليشيات، وعلى رأسهم “حزب الله” اللبناني، عرفوا أن سقوط الأسد هو خسارة لمشروعهم في المنطقة، وليس فقط في سوريا، لم تعد سوريا ممراً للسلاح والمليشيات والمخدرات، لم تعد ممراً لنشر الفوضى في الدول العربية والإقليم، بل صارت سوريا الدولة.
في الداخل السوري متضررون أيضاً، من فقدوا امتيازاتهم فقرروا التواصل مع بعض الخارج لتنغيص حياة السوريين وأمنهم، الأسد لن يعود ولكنهم يريدون أن يعودوا لمشروعهم الأول؛ “نحرق البلد” أو نقسمه.
التصدي لكل هذه المشروعات يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى وحدة السوريين، ووحدة السوريين ليست شعاراً بل تحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل، هذه أول مرة في تاريخ سوريا نكون أمام فرصة بناء دولة لكل السوريين، دولة مواطنة لا طوائف وأعراق ومحسوبيات، يقتنع السوريون فيها أن لا فرق بين سوري وسوري إلا بالقانون ومقدار التزامه به، ووحدة السوريين لن تتحقق دون تحقيق العدالة؛ أن ينتظر البعض من السوريين أن يتغاضوا عن جراحهم ودماء أبنائهم وبناتهم، عن أوجاعهم في المعتقلات والمنافي ليس بالأمر القابل للنقاش حتى.
صحيح أن بيئة الثورة وأبناءها وبناتها هي “أم الصبي”، ولكن هذا الصبي ذُبح مراراً وتكراراً أمام عيون والدته، وكما كنا نقول دوماً، وعلى مدى 14 عاماً، بأن الأسد لا يمكن أن يحكم سوريا بعد كل ما فعله بحق سوريا والسوريين، نقول اليوم وغداً إنه لا يمكن للسوريين أن يتعايشوا مع القتلة.
القتلة لم ينتموا لطائفة واحدة ولا لمدينة واحدة، الضحايا كانوا سوريين، والمجرمون كان معظمهم أيضاً سوريين، والعدالة الانتقالية هي حجر الأساس لبناء دولة المواطنة، وسوريا أولاً ليس شعاراً بل نهج.
نعم لمحاسبة من ارتكب جرائم بحق السوريين في الساحل والسويداء، ونعم أيضاً لمحاكمة ومحاسبة من ارتكب الجرائم والمجازر على كامل تراب سوريا وعلى مدى عقود.
في سردية البعض يبدأ التاريخ في 8 كانون الأول 2024، وكأن كل ما حصل قبل ذلك لم يكن، وكأن دماء ملايين السوريين لم ترو تراب سوريا لنصل إلى يوم 8 كانون الأول، يوم الحرية.
التاريخ لم يبدأ بـ8 كانون الأول، لكن مشروع بناء الدولة بدأ بذلك اليوم، وكي يكون البناء على أسس صحيحة يجب ألا ننسى ما حلّ قبله، ولا ننسى من رحلوا لنبقى ونعود إلى حياتنا “العادية”.
مبارك انطلاقة “الثورةالسورية”، صحيفة لكل السوريين.
- الثورة السورية


























