
ليست مشكلة الاستبداد في احتكار السلاح، وإنما في احتكار الكلمة وتزييف الذاكرة.
فلطالما كانت الأنظمة الشمولية تسعى لجعل الحقيقة حالة طارئة، ولتحويل تاريخ الأمة إلى مجرد سيرة شخص واحد.
من هنا، فإن عظمة انتصار الثورة السورية لا تكتمل في لحظة سقوط التمثال فقط، وإنما في لحظة استعادة ميزان اللغة.
إن تحول هذه الصحيفة، مع ذكرى الثامن من كانون الأول، من عنوان كان يمثل الصوت الأسود للماضي إلى “الثورة السورية”، هو إعلانٌ وجوديٌ بأننا لم نعد نعيش في “زمن الطاغية المخطوف”، وإنما في “زمن الشعب المؤسس”.
إنها لحظة استرداد لـ “اللوغوس الوطني”، حيث تصبح الحقيقة هي الدستور، وتتحول الذاكرة من عبء مُحطم إلى أول مادة في بناء الجمهورية الجديدة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية فهم الثامن من كانون الأول بوصفه لحظة تأسيسية تُشبه – في عمقها – اللحظات الكبرى التي أعادت الأمم تشكيل نفسها خلالها.
فكما حوّل اقتحام الباستيل الوعي الفرنسي إلى ذاكرة جمعية تصوغ الجمهورية، وكما جعلت جنوب إفريقيا من لحظة سقوط الأبارتهايد حجر الأساس لروح وطنية جديدة، فإن الثامن من كانون الأول شكّل في سوريا ولادة ثانية، أعادت توزيع المعاني بين الدولة والشعب.
وهكذا، لم يعد السوري مجرد متلقٍ للخبر، وإنما أصبح صانعاً للمعنى.
وهذه الجريدة، بهذا التحول، لم تعد ورقاً مطبوعاً، بل أصبحت جزءاً من “محكمة الذاكرة” التي تبني سردية الأمة الجديدة، وتُدشّن الهوية السياسية والأخلاقية لسوريا بعد التحرير.
ثمة هنا مفارقة جارحة عاشها السوريون طوال الأعوام الماضية، وتتمثل في أن كلمة “الثورة” – وهي الاسم الحقيقي لما عاشه السوريون من فعلٍ وجوديّ دفاعاً عن الحياة – كانت كلمة محرّمة، يتجنبها الناس كما يتجنبون الشرر، فيلجؤون إلى التعبير البديل، المهذَّب الخائف: “الأحداث”.
وفي الوقت ذاته، كانت صحيفة تحمل اسم “الثورة” تصدر في دمشق كل صباح، كأنها تضع ختم النظام على اللغة ذاتها، وتُحوّل الكلمة الأعظم في التاريخ السياسي لشعبٍ إلى لافتةٍ خاوية تُستخدم لستر القمع بدل التعبير عن الحرية.
هكذا تحولت الثورة إلى تابو شعبي، بينما كان اسمها مطبوعاً على جريدةٍ تُستخدم لخنق المعنى الذي وُلدت من أجله.
هذه المفارقة ليست لغوية فقط، وإنما هي الدليل الأكثر بلاغة على أن معركة السوريين كانت أولاً وأخيراً معركةً على الكلمة، ومعركةً على حقّ تسمية الحقيقة باسمها الصحيح.
لقد كانت “الثورة” القديمة، طوال عقود حكم آل الأسد، تجسيداً مادياً لآلة القمع النفسي.
إذ لم تكن الصحيفة مجرد أداة دعائية بقدر كونها بوقاً منظماً لإخصاء الوعي.
وكان دورها يقوم على ثلاثة محاور: محو ذاكرة السوريين، زرع الخوف المقدس من الحاكم الأوحد، وتطهير الواقع من أي اعتراف بالتنوع أو الخطأ.
وبذلك، كانت الجريدة تمارس “إرهاباً أبيض” حين تُعلن في صدر صفحاتها أن الطاغية هو “الأب والقائد”، وتجبر الملايين على قراءة أكاذيبها التي كانت تجعلهم يشعرون بالوحدة والعزلة داخل أوطانهم.
إن الـ “ثورة” التي كانت تتحدث عنها الصحيفة آنذاك هي ثورة النظام على شعبه، لا ثورة الشعب على سجّانيه.
إن عملية تغيير اسم هذه الصحيفة الغراء خطوةٌ هامة على طريق ترسيخ الثورة السورية كذاكرةٍ مؤسسةٍ لهذا البلد.
ذلك أن تاريخ 8 كانون الأول كان لحظة “التأسيس الذاكري”، ولم يكن فقط نهاية المعركة.
وتبني اسم “الثورة السورية” يعني أن الدولة الجديدة، عبر أدواتها الرسمية والإعلامية، تتبنى رواية الثورة على أنها الرواية الوطنية الرسمية.
هذا التبني يضع أساساً دستورياً غير مكتوب للمرحلة القادمة؛ فالدولة لا يمكنها أن تناقض الجريدة التي تحمل اسمها.
وعليه، فإن أي عمل داخل هيكل الدولة الجديدة يجب أن يكون في خدمة القيم التي قامت عليها الثورة: قيم الحرية والكرامة والعدالة.
وعليه، تسهم الصحيفة في تحول سوريا من مرحلة “القمع المعلن” إلى مرحلة “الحقيقة المؤسساتية”، حيث تصبح الحقيقة المكرسة في الإعلام هي الرافعة الأخلاقية والسياسية للجمهورية.
إن الانخراط في “الثورة السورية”، كتابةً وتحريراً، يعني حمل عهد ثقيل.
ذلك أن هذا المنبر لم يعد مجرد مكان لنشر الأخبار، وإنما أصبح المحكمة الدائمة للضمير الوطني.
وهذا يفرض علينا موقفاً حاسماً من التحديات المعاصرة التي تواجه عملية البناء:
وأولها، مواجهة الزهد الفكري؛ إذ يجب على “الثورة السورية” أن تكون الناطق الصارم في وجه “الزهد الثقافي” و”العبوس الفكري” الذي يمارسه بعض المثقفين.
علينا أن نسألهم: لماذا يُقاس الواقع المُتعرِّق بالدم بـ “كتالوج الحداثة النظري”، ولماذا يُحاسب النصر على هوية من جاء به بدلاً من قيمته المطلقة (غياب البراميل والوحشية)؟
إن مسؤولية الصحيفة هي أن تعيد التقدير الحقيقي لثمن الحرية.
وثانيها، ترسيخ المؤسسية فوق الفردية؛ بمعنى أن يكون صوت الجريدة موجهاً نحو تقديس القانون والمؤسسة (كما أرادها الشهداء) بدلاً من تقديس الأفراد أو الأبطال، لكيلا نرتكب الخطأ الذي ارتكبته الصحيفة القديمة في عبادة الأشخاص.
أما ثالث التحديات فيتمثل في معالجة “فجوة الوعي” بين الدولة الجديدة والناس؛ ذلك أن بناء الجمهورية لا يتحقق بسنّ القوانين فقط، وإنما يحتاج إلى خلق لغةٍ مشتركة مع المجتمع الذي ذاق أقصى درجات الألم.
إن على “الثورة السورية” أن تعمل كجسرٍ يفكّك الالتباسات، ويشرح السياسات، ويعيد تركيب العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الثقة والشفافية.
فحين تقصر الدولة في شرح خطواتها، لأي سبب، يتضخم الظن، ويتحول الشك إلى رأي عام.
والإعلام الوطني، إذا لم يؤدّ دوره في شرح التحولات وتهدئة المخاوف، يترك الساحة للفراغ، والفراغ دائماً يملؤه المستبدّون الجدد.
إن أحد أعظم أدوار الجريدة أن تمنع عودة “العتمة التفسيرية” التي عاشها السوريون نصف قرن.
ثم إن التحدي الرابع يتمثل في مكافحة “التوحش الرقمي” الذي تصنعه وسائل التواصل؛ فالثورة التي بُنيت بالدم قد تُسرق اليوم بلحظة ضجيج افتراضي.
إن الجريدة ملزمة بأن تساهم في وقف ثقافة الشتم والتخوين التي تحوّل كل اختلاف إلى حرب أهلية مصغّرة.
عليها أن تُنتج نموذجاً جديداً للنقاش العام، يحترم الرأي المخالف دون أن يسمح لهدم ما تحقّق.
فحرية التعبير ليست رخصةً للفوضى، والخطاب الوطني ليس معركة لتكسير الخصوم.
إن مسؤولية “الثورة السورية” أن تخلق فضاءً لغوياً عادلاً يوازن بين الحرية والانضباط، بين النقد المسؤول وحماية السردية الوطنية من التشويه. فالثورة تُهزم حين يتحول الكلام إلى سكاكين.
إن ذكرى الثامن من كانون الأول ليست نهاية القصة، وإنما هي إعلان الفصل الأول من “جمهورية المؤسسات”.
وهذا القلم اليوم، في “الثورة السورية”، لا يَكتُبُ بالحبر العادي، وإنما يكتب بذاكرة الشهداء التي تحولت إلى مادة أساسية في البناء.
وواجبنا، كتاباً ومحررين، هو أن نضمن أن هذا المنبر سيظل مرآة صادقة للتحول، صوتاً يذكرنا دائماً بأننا لم نخرج من الظل لنسقط في فخ آخر، وأن المعيار الوحيد لتقييم الدولة هو مدى إخلاصها للعدالة والحق الذي من أجله سقط الطاغية.
- الثورة السورية


























