عامٌ مضى على انهيار النظام الذي حكم سوريا بالنار والسجون، ولا تزال البلاد تعيش فوق ركام ذاكرة لم تُهذَّب بعد، وملفات لم تجد طريقها إلى الضوء.
وفي هذا الركام، يبرز اسم مازن الحمّادة كقصةٍ لا تُشبه غيرها: رجلٌ تحدّى الموت حين كان حيًّا… ولم يجد من يحميه حين عاد.
ليس من السهل أن تُكتب نهاية رجلٍ أفنى سنواته محاولًا كشف الحقيقة، ثم أصبحت الحقيقة نفسها شاهدةً على نهايته.
مازن الحمّادة: الشاهد الذي دفع ثمن شهادته
كان الحمّادة، ابن دير الزور 1977، واحدًا من أوائل الذين كسروا جدار الصمت عام 2011.
خرج إلى الشارع، اعتُقل، ضُرب، أُهين، وذاق من التعذيب ما لا يقدر عقلٌ على تحمّله.
وحين خرج من البلاد بعد سنوات من المطاردة، حمل معه وجوه المعتقلين وأصواتهم، وتحوّل إلى شاهدٍ عالمي على آلة التعذيب التي بنى عليها النظام السابق سلطته.
في أوروبا، روى كل شيء: أسماء، وطرائق تعذيب، وضبّاطًا، وأقبية، وأصواتًا مات أصحابها ولم يعد لهم لسان.
كان يعتقد أن الكلام سينقذه، لكن الكلام لم يُنقذ أحدًا.
عودةُ رجلٍ بلا ضمانة.. وبدايات النهاية
عام 2020، قرّر الحمّادة العودة إلى سوريا. لم يكن القرار مفهومًا حتى لأقرب أصدقائه.
قيل إنّه تلقّى وعودًا، وقيل إنّه خُدع.
المؤكّد أن الرجل عبر بوابة مطار دمشق ليختفي خلف باب لم يُفتح إلا بعد سقوط النظام نفسه.
كان اختفاؤه حينها مجرّد خبر. لكن عودته، جثمانًا، حوّلت الخبر إلى شهادة جديدة.. أقسى من كل شهاداته السابقة.
الحقيقة التي خرجت من العتمة
بعد انهيار النظام، بدأت الوثائق تتسرّب. ثم ظهرت دفعة من الجثث في مستشفى عسكري قرب دمشق. بينها جسدٌ نحيلٌ كُتبت على ملامحه نهاية رجلٍ قاوم كثيرًا.
أظهرت التحاليل والصور المسرَّبة من “Damascus Dossier” أن الحمّادة توفي في 28 سبتمبر/ أيلول 2024، أي قبل أسابيع من انهيار السلطة التي اعتقلته.
الآثار على معصمَيه وقدميه لم تترك مجالًا للتأويل. موته كان امتدادًا لسلسلةٍ طويلة من التعذيب.. سلسلة لم تنقطع حتى اللحظة الأخيرة.
بهذا المعنى، مازن لم يمت في صيدنايا فقط.
مازن مات في النظام نفسه.
في بنيته.
في عقيدته.
في منظومةٍ صنعت الموت جزءًا من إدارتها، والاختفاء أداةً من أدوات حكمها.
عام على سقوط النظام… وصيدنايا ما زال قائمًا
حين يسأل السوريون اليوم: ماذا تغيّر بعد عام على السقوط؟، تكفيهم قصة مازن الحمّادة لتُذكّرهم بأن سقوط الدولة لا يعني سقوط الأجهزة، وأن نهاية الحكم لا تعني نهاية إرثه.
صيدنايا ليس مبنى من الإسمنت.
هو سجلّ من الغياب، ودفترٌ طويل من الأرقام بلا أسماء.
هو امتحانٌ للأخلاق قبل أن يكون ملفًّا للعدالة.
ورغم مرور عام، لا يزال آلاف المفقودين أسرى هذا الغياب. لم تُفتح ملفاتهم، لم تُعرَف مصائرهم، ولم تُستخرج جثامينهم. كثير منهم ينتظر الاعتراف، وأكثرهم ينتظر أن يُطلَق من ذاكرة الخوف إلى ذاكرة الحقيقة.
قصة مازن تكشف أن السجن لم يكن مجرّد مكان.. بل طريقة حكم.
المسؤولية السياسية: من يملك جواب الغد؟
في التحليل السياسي، تمثّل قضيّة الحمّادة نقطة تقاطع بين ثلاث دوائر:
-
إرث النظام السابق: نظامٌ بنى سلطته على الخوف، وجعل الاعتقال جزءًا من هندسة المجتمع. سقوطه لم يُنهِ هذا الإرث، بل كشفه.
-
الدولة الجديدة: امتحانها الأول ليس إعادة الإعمار ولا توزيع السلطات.. بل إعادة الكرامة لأصحابها، وكشف مصير المفقودين، وفتح السجلات التي أغلقها النظام السابق لعقود.
-
المجتمع الدولي: الذي منح اللجوء لمازن، لكنه لم يمنحه الحماية، والذي استمع لشهادته، لكنه لم يستطع منعه من الوقوع في فخّ العودة، والذي أدان التعذيب، لكنه عجز عن محاسبة صانعيه.
هكذا، تذكّر قصة الحمّادة هذا العالم بأن الحقيقة لا تكفي وحدها، إن لم تتبعها حماية.
في المآل الأخير: مازن يعود ليفتح الباب الذي أُغلق على غيره.
عاد الحمّادة جثّة، لكن موته لم يكن نهاية.
كان بدايةً لفتح ملفٍّ أكبر، ملفٍّ ظلّ النظام السابق يدفنه تحت الأرقام لأكثر من عقد.
عامٌ على السقوط… وما زالت الحقيقة تسير ببطء.
لكن ظهور جثمان الحمّادة يُعيد طرح السؤال الذي يخشاه الجميع:
كيف يمكن بناء سوريا جديدة… دون فتح أبواب صيدنايا؟
مازن الحمّادة.. اسمٌ يكتب بداية العدالة لا نهايتها
الموت لم يُسكت مازن، بل أعاده إلى السوريين كآخر شهادةٍ يقدّمها.
وإذا كان النظام السابق قد حاول إغلاق صوته في حياته، فإن موته اليوم يفتح الباب واسعًا أمام ما هو أكبر: كشف المصائر، ومحاسبة المسؤولين، وإنهاء إرث السجون الذي شكّل قلب السلطة القديمة.
- مازن الحمّادة لم يكن قصة فرد. إنه مرآة بلدٍ كامل… يحاول أن ينظر إلى وجهه بعد أن انكسر القيد.
- موقع التلفزيون العربي


























