في السادس من تشرين الأول، تستعيد سوريا صورة جبل الشيخ. صورة لجنود صعدوا إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في جغرافيتها، في حرب دخلت الذاكرة السورية باسم التحرير، حتى لو أنّ الجولان لم يعد إلى السيادة السورية بعد. في ذلك اليوم من عام 1973 كانت مصر وسوريا تخوضان حرباً لاستعادة الأراضي التي فقدتها في حرب 1967، وكانت قمة جبل الشيخ واحدة من المواقع التي دخلت إليها القوّات السوريّة في الأيام الأولى من المعارك قبيل أن تنتهي الحرب من دون استعادة الجولان، ثم جاء اتفاق فض الاشتباك في العام التالي، ليعيد انتشار القوات ويضع منطقة فصل بينَ الجيشين تحتَ مراقبة الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الوقت بقي الجولان محتلاً، وبقي جبل الشيخ واحداً من أكثرِ الأماكن التي تختصر العلاقة السورية الإسرائيلية؛ أرضاً تقول دمشق إنها سورية وواقعاً تفرض إسرائيل عليه سيطرةً عسكرية.
اليوم وبعد أكثر من نصف قرن، لم يعد السؤال السوري عن جبل الشيخ سؤالاً تاريخياً فقط. إسرائيل موجودة عسكرياً على الجانب السوري من الجبل وفي المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق 1974، وقد وسّعت وجودها بعد انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، بينما تؤكد دمشق أنّ هذه الأراضي سورية وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية والعودة إلى ترتيبات 1974. وفي أيلول الماضي، لم يكتفِ الرئيس أحمد الشرع بالحديث عن الجولان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصفهِ أرضاً سورية، بل قال إن أيّ محاولة لفرض واقع جديد لا يمكن أن تنتقص من سيادة الدولة السورية، وطالب مجدداً بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت عليها قبل سقوط النظام السابق.
أي أنّ الدولة السورية الجديدة لا تتخلى في خطابها المعلن عن الأرض. لكنها تواجه الحقيقة الأصعب؛ يمكن للدولة أن تقول إنّ الأرض لها، فيما أنها لا تستطيع أن تمارس سيادتها عليها فعلياً… و في اليوم نفسه الذي نستعيد فيه تلكَ الذاكرة، تظهر على الطرف الآخر من الصورة مفاضلة قبول جامعي تفتح أمامَ الطالبات أبواباً كثيرة في الجامعات السورية، لكنها تتضمن مسارات جامعية محددة و مخصصة للذكور فقط. المشكلة هنا ليست في الاختصاصات العسكرية البحتة، إذ يمكن للدولة أن تضع شروطاً خاصة بالخدمة العسكرية وطبيعة المهمات واللياقة وطبيعة المؤسسة، وهذا نقاش مشروع يمكن أن يكون له اعتبارات قانونية وعملية. لكنّ القائمة المنشورة لا تتوقف عند المسارات العسكرية وحدها؛ فهي تضم أيضاً اختصاصات في الإدارة والاقتصاد والعلوم القانونية والعلوم الاجتماعية ضمن كلية العلوم الإنسانية والإدارية، إلى جانب اختصاصات هندسية وتكنولوجية مختلفة، بينما تحدد المفاضلة الجنس كشرط في هذه المسارات.
هنا يصبح الأمر أكبر من مقعدٍ جامعي… فالمرأة السورية لا تدخل إلى الجامعة بوصفها ضيفة على الدولة، ولا تحصل على حقها في التعليم باعتباره منحة من مؤسسة عسكرية أو مدنية. الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025 ينص على مساواة المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات من دون تمييز على أساس الجنس، كما أعلنت الجهة التي صاغت الإعلان أنّ المرأة تتمتع بحق التعليم والعمل والحقوق السياسية. لهذا تبدو المفارقة قاسية في توقيتها تحديداً. الدولة التي تعلن أنّ الجولان أرض سورية، وأنّ سيادتها على أرضها ليست موضوعاً للتنازل، عليها أن تواجه سؤال السيادة في مكان آخر أيضاً: من يملك هذه الدولة من الداخل؟.. ليس القصد هنا أن نقارن امرأة تريد دراسة العلوم الاجتماعية بجندي كان يقاتل على جبل الشيخ إطلاقاً، ولا أن نقول إنّ المعركة العسكرية والتحصيل الجامعي شيء واحد. المقارنة تقع في مكان أعمق جداً وهو أنّ كلاهما يتعلق بفكرة المواطن الذي تريده الدولة شريكاً فيها. في حرب تشرين، كان السوري يُستدعى إلى الدولة من موقع الجندي و كان المطلوب منه أن يحمل السلاح وأن يخاطر بحياته دفاعاً عن أرض تقول الدولة إنها أرضه. أمّا الدولة بعد أكثر من خمسين عاماً، فلا يكفي أن تطلب من مواطنيها الدفاع عنها؛ عليها أن تتيح لهم أيضاً أن يتعلموا ويعملوا ويشاركوا في مؤسساتها من دون أن يصبح جنسهم جداراً وعائقاً أمامهم.
ربما لهذا بالضبط تبدو ذكرى جبل الشيخ مناسبة أكثر مما نظن للحديث عن نساء سوريّات يقفن اليوم أمام بوابة الجامعة. فالسؤال الذي تركته حرب تشرين مفتوحاً لم يكن فقط عن متى سيعود الجولان؟ كان هناك سؤالٌ آخر، أقل ظهوراً في الخطب وأكثرُ أهمية في بناء الدول: ما الدولة التي نريد أن تعود إليها الأرض؟.. فلا معنى لسيادة تُختزل في خرائط وحدود بينما تُجزّأ المواطنة داخل المؤسسات. ولا يكفي أن ترفض دمشق أن تتحول السيطرة الإسرائيلية على جبل الشيخ إلى أمرٍ واقع، إذا كانت الدولة نفسها تسمح ضمن حدود مؤسساتها، بتحويل بعض أبوابها إلى واقع مغلق أمام السوريات لمجرد أنهنّ سوريات. فالسيادة ليست فقط أن تقول الدولة إنّ الأرض لها، وإنما أن يكون المواطن، رجلاً كان أم امرأة، جزءاً كاملاً وغير متشرذم من صاحب الحق على مساحة هذه الأرض.
لقد بقي الجولان سورياً في الذاكرة والقانون والموقف الرسمي، حتى حين لم تكن سوريا تملك السيطرة الفعلية عليه. لكنّ الدولة الجديدة أمام امتحان آخر لا يحتاج إلى دبابة ولا إلى اتفاق دولي كي تنجح فيه، وهو أن تجعل المواطنة السورية كاملةً في الداخل كما تريد أن تكون السيادة السورية كاملةً على الأرض. في 1973 صعدَ الجنود إلى جبل الشيخ وهم يحملون علم دولتهم. في 2026، ربما يجب على الدولة أن تثبت شيئاً آخر وهو أنها لا تحتاج إلى أن يكونَ المواطن رجلاً كي تسمحَ له بحملها.
- المدن

























