تكرار التوغلات، وتوسيع البنية التحتية العسكرية، واستمرار الضغط على المناطق القريبة من خط الفصل، تشكل مجتمعة مؤشرات إلى تغير في طبيعة الانتشار الإسرائيلي في الجنوب السوري.
تتجاوز التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا حدود التوغلات العسكرية المحدودة، لتكشف عن مسار يتجه نحو تثبيت وقائع ميدانية جديدة في محيط الجولان المحتل وسفوح جبل الشيخ. ويأتي التفجير الذي استهدف موقعاً قرب قلعة جندل في ريف دمشق يوم 20 أيلول/سبتمبر، في سياق تتداخل فيه الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع الجغرافيا العسكرية وذاكرة الحروب السابقة، فيما تتواصل أعمال شق الطرق وإقامة التحصينات في ريف القنيطرة، وصولاً إلى المشروع المعروف باسم «سوفا 53».
وتكتسب منطقة قلعة جندل أهميتها من موقعها عند السفوح الغربية لجبل الشيخ، الذي يشرف على مساحات واسعة من جنوب سوريا وأجزاء من لبنان والجولان. فمنذ حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، احتلت هذه المرتفعات موقعاً محورياً في الحسابات العسكرية السورية والإسرائيلية، نظراً إلى قدرتها على توفير الرصد والإنذار المبكر والإشراف على محاور الحركة في المنطقة. ولذلك، فإن أي تحرك عسكري في محيطها لا يمكن فصله عن التنافس على السيطرة على المجال الجغرافي المحيط بها.
ويعيد الحدث قرب قلعة جندل طرح أسئلة بشأن طبيعة الانتشار الإسرائيلي في المنطقة، وحدود تحرك القوات الإسرائيلية خارج خط وقف إطلاق النار، والوظيفة التي تؤديها المواقع العسكرية المستحدثة في محيط العاصمة دمشق. غير أن ربط الحادثة بهدف عملياتي محدد أو اعتبارها جزءاً من خطة إسرائيلية متكاملة يحتاج إلى معطيات ميدانية إضافية، ولا يكفي فيه التزامن مع تحركات عسكرية أخرى،
وتحتل حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 مكانة بارزة في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما المعارك التي دارت على جبل الشيخ خلال الأيام الأولى للحرب. فقد شكّل الجبل موقعاً استراتيجياً سعى الطرفان إلى السيطرة عليه.
وتستحضر المراسم العسكرية الإسرائيلية المرتبطة بتلك المعارك دروساً تتصل بالمفاجأة العسكرية، وأهمية السيطرة على المرتفعات، ودور المواقع المتقدمة في منظومات الإنذار المبكر والدفاع.
وفي هذا السياق، أُقيمت مراسم إحياء ذكرى قتلى معركة جبل الشيخ يوم 15 أيلول/سبتمبر، فيما وقع تفجير المواقع قرب قلعة جندل بعد خمسة أيام.
من خط الدفاع
إلى توسيع المجال الأمني
تقوم إحدى ركائز التفكير العسكري الإسرائيلي في الجولان على منع الخصم من الاقتراب من المواقع الحيوية، وتوفير قدرة أكبر على الرصد والتحرك والاستجابة السريعة. وقد اكتسبت هذه المقاربة بعداً جديداً مع التحولات التي شهدتها سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، والتقدم الإسرائيلي إلى مواقع داخل منطقة الفصل، إلى جانب إقامة مواقع عسكرية وتنفيذ أعمال هندسية في أجزاء من جنوب البلاد
وفي هذا السياق، تبرز تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن ضرورة ضمان الأمن الإسرائيلي في جنوب سوريا، والاحتفاظ بمواقع استراتيجية في المنطقة. وتعكس هذه المواقف توجهاً نحو ربط أمن الجولان بوجود عسكري أوسع داخل الأراضي السورية، مع السعي إلى منع أي انتشار عسكري سوري يمكن أن تعتبره إسرائيل تهديداً لمواقعها.
وتثير هذه السياسة أسئلة تتجاوز مسألة تأمين الحدود. فكلما توسع نطاق الانتشار الإسرائيلي، ازدادت المساحة التي يتعين على دمشق التعامل معها باعتبارها جزءاً من ملف السيادة واستعادة السيطرة. كما يصبح التراجع عن المواقع الجديدة أكثر تعقيداً عندما تُدعّم بطرق عسكرية وخنادق وسواتر ترابية ونقاط مراقبة، وهي منشآت يمكن أن تمنح الوجود العسكري طابعاً أكثر ثباتاً.
ولا يعني ذلك أن جميع التحركات الإسرائيلية تنطلق بالضرورة من خطة واحدة أو تخضع لقيادة عملياتية موحدة في كل المناطق. غير أن تكرار التوغلات، وتوسيع البنية التحتية العسكرية، واستمرار الضغط على المناطق القريبة من خط الفصل، تشكل مجتمعة مؤشرات إلى تغير في طبيعة الانتشار الإسرائيلي في الجنوب السوري.
يمثل مشروع «سوفا 53» أحد أبرز مظاهر هذا التحول في ريف القنيطرة. وهو مشروع هندسي وعسكري إسرائيلي يجري تنفيذه داخل الأراضي السورية، بمحاذاة خط الفصل مع الجولان المحتل، ضمن المنطقة المشمولة باتفاق فصل القوات لعام 1974. وقوام المشروع طريق مخصص لحركة الآليات العسكرية، عرضه في حدود ثمانية أمتار، تحاذيه سواتر ترابية ترتفع في بعض المقاطع حتى خمسة أمتار تقريباً، وتتوزع على طوله خنادق ومراصد ومواضع محصنة. ويُتداول رقم 70 كيلومتراً طولاً للمشروع، من دون أن يتضح هل يقيس ما شُقّ فعلاً على الأرض أم المسار كاملاً كما هو مخطط له.
ويقطع المسار محافظة القنيطرة من شمالها إلى جنوبها؛ فقد بدأ شقّه عند سفوح جبل الشيخ، في محيط حضر وغرب عين التينة، ثم مرّ بأراضي جباتا الخشب والحميدية والحرية والقحطانية، واتجه جنوباً عبر رويحينة وبئر عجم وبريقة نحو العشة ومنطقة التقاء الحدود السورية والأردنية مع الجولان المحتل.
وقال سكان محليون لـ«القدس العربي» إن جرافات وآليات ثقيلة عادت في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى الأطراف الغربية لقرية العشة، وإلى الجنوب الغربي من بلدة الرفيد، حيث وسّعت الأعمال الترابية وباشرت حفر خنادق جديدة.
ويشير هذا المسار إلى أن المشروع لا يقتصر على إنشاء طريق لحركة الآليات، وإنما يتيح أيضاً تعزيز الحركة العسكرية الطولية، وتسهيل المراقبة والتمركز، وربط مواقع متفرقة ضمن محور ميداني يمتد من شمال القنيطرة إلى جنوبها.
أما الاسم فيُرجَّح أنه مأخوذ من الكتيبة المدرعة 53 في اللواء 188، وهي كتيبة تُلقَّب «سوفا»، أي «العاصفة» بالعبرية. وتقدم إسرائيل المشروع في إطار الاحتياجات الأمنية والدفاعية وحماية سكان الجولان، فيما ترفضه دمشق.
وتقول تقارير محلية إن أعمال الحفر والتجريف ألحقت أضراراً بالأراضي الزراعية والمراعي والغطاء النباتي في عدد من القرى، وأعاقت وصول بعض المزارعين إلى أراضيهم، فضلاً عن تأثيرها في مجاري مياه الأمطار. وقدّرت تصريحات محلية سابقة المساحات المتضررة بآلاف الدونمات، فيما نقلت وكالة الأناضول في أيار/مايو 2026 تقديراً بلغ نحو 12 ألف دونم في أجزاء من ريف القنيطرة. وتحتاج هذه الأرقام إلى قراءة دقيقة، إذ لا تعني المساحة المتضررة بالضرورة أن جميعها صودرت أو خرجت نهائياً من الاستخدام الزراعي.
ومن الناحية الجغرافية، لا يحمل «سوفا 53» أي صفة حدودية أو قانونية، فهو منشأة عسكرية ميدانية أقامتها إسرائيل من جانب واحد داخل منطقة الفصل التي رسمها اتفاق 1974 وعُهد بمراقبتها إلى قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف». وتختلف المسافة بين أجزاء المشروع وخط وقف إطلاق النار بحسب الموقع؛ إذ تتحدث تقارير عن امتدادات تتراوح بين مئات الأمتار ونحو كيلومترين في بعض النقاط، وهي تفاصيل تحتاج إلى التحقق عبر خرائط ميدانية موثوقة. وتكمن الدلالة الأوسع للمشروع في احتمال تحوله من طريق عسكري إلى شبكة متصلة من التحصينات ونقاط المراقبة، بما يرسخ وجوداً ميدانياً يصعب التعامل معه باعتباره تحركاً عابراً.
اتفاق 1974 تحت الضغط
أدانت وزارة الخارجية السورية استئناف أعمال الحفر والتجريف، واعتبرت المشروع انتهاكاً لاتفاق فصل القوات لعام 1974 وللسيادة السورية، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته.
كما صدرت مواقف رافضة للتحركات الإسرائيلية عن دول عربية، بينها الأردن وقطر والكويت، في وقت تتواصل فيه المخاوف من تحول الأعمال الهندسية إلى واقع عسكري دائم.
ويظل تحديد مدى مخالفة كل منشأة أو مقطع من الطريق للترتيبات الواردة في اتفاق 1974 مرتبطاً بموقعه الدقيق وطبيعة النشاط الجاري فيه. غير أن تنفيذ أعمال عسكرية داخل المنطقة العازلة، واستمرار التوغلات وإقامة التحصينات، يضعان الاتفاق أمام اختبار عملي يتصل بقدرة الأمم المتحدة والأطراف المعنية على منع فرض تغييرات أحادية على الأرض.
ولا تنحصر أهمية التحركات الإسرائيلية في القنيطرة وحدها، إذ ترتبط جغرافية الجنوب السوري بشبكة طرق ومحاور تصل المنطقة بالعاصمة دمشق وبالحدود اللبنانية والأردنية. ويمنح موقع جبل الشيخ والمرتفعات المحيطة به أهمية خاصة لهذه الشبكة، نظراً إلى إشرافها على محاور الحركة بين الجولان وريف دمشق الغربي، وعلى طرق تصل دمشق ببيروت عبر الأراضي السورية.
ويثير التقدم إلى محيط قلعة جندل، بالتوازي مع استمرار أعمال التحصين في القنيطرة، تساؤلات بشأن اتساع المجال الذي تسعى إسرائيل إلى مراقبته أو التأثير فيه. ويوضح ذلك كيف يمكن لتوسيع الانتشار في نقاط متفرقة أن يغير البيئة الأمنية في جنوب سوريا، ويزيد الضغط على طرق الحركة والاتصال بين المناطق.
وتبرز السويداء ودرعا والقنيطرة ضمن هذا المشهد، لا باعتبارها ساحات متطابقة من الناحية العسكرية والسياسية، وإنما بوصفها مناطق تتقاطع فيها هشاشة الوضع الأمني، وتحديات إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتدخلات الخارجية. ويمنح استمرار التوغلات الإسرائيلية دمشق هامشاً أضيق لإعادة ترتيب انتشارها العسكري في الجنوب، فيما يتحمل السكان المحليون جزءاً من الكلفة عبر تضرر الأراضي الزراعية، وتقييد الحركة، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل مناطقهم.
ويظل الجولان المحتل مركزياً في التصور الأمني الإسرائيلي، كما تظل استعادة السيادة عليه جزءاً من الموقف السوري.
فإسرائيل تربط تحركاتها بمنع التهديد، ودمشق ترى أن الانتشار داخل أراضيها والتحصينات الجديدة يكرسان واقعاً يتجاوز ترتيبات الفصل.
بين موقع قريب من ريف دمشق وطريق محصن في القنيطرة، تواجه دمشق تحديات متزامنة: حماية السيادة، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة بناء القدرة الدفاعية، ومنع تحول التحركات المتفرقة إلى وقائع دائمة. والسؤال هو ما إذا كانت هذه التحصينات ستبقى مربوطة باعتبارات أمنية معلنة، أم ستتحول إلى بنية تفرض شروطاً على أي تسوية مقبلة. كل طريق جديد، وكل خندق أو ساتر داخل منطقة الفصل، لا يغيّر شكل الأرض وحده؛ هو يطرح أيضاً سؤالاً عن الحدود الفعلية للسيادة، وعن قدرة ترتيبات 1974 على منع فرض واقع جديد بالقوة.
- القدس العربي


























