يشكّل الهجوم الثالث على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، أول أمس السبت، والذي أدى إلى مقتل 12 شخصا وإصابة 309 آخرين، تصعيدا غير مسبوق في الحرب الدائرة بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية وجماعة «أنصار الله» (الحوثيين).
قالت هيئة الطيران المدني السعودية إن من بين القتلى أربعة سعوديين، وشخصين من بنغلادش، وأمريكيا وأردنيا وفلسطينيا وسوريا وسودانيا ومصريا. تتخذ الضربة الحوثية، بهذا السياق، حدثا خطيرا لا يطال السعودية فحسب بل يطال أيضا مواطني دول عربية وإسلامية، وصولا إلى مواطني «الحليف الأمريكي»، الذي أعلن رئيسه، دونالد ترامب، أن الهجوم «غير مقبول»، وذلك بالتزامن مع الامتناع الواضح عن الاستجابة لطلبات سعودية بالتدخل المباشر.
تظهر هذه التطورات مفارقات عسكرية وسياسية لافتة، حيث تجد السعودية – التي تمثّل أحد أكبر الاقتصادات في المنطقة وإحدى الدول الأعلى إنفاقا على التسلح في العالم – مطار عاصمتها ومنشآتها الحيوية عرضة لهجمات جماعة مسلحة تخوض في الوقت نفسه حربا ضد القوات الحكومية اليمنية وتشكيلات عسكرية أخرى، وتتعرض مناطق سيطرتها لغارات جوية مكثفة، كما تواجه خسارات في مكاسبها العسكرية على الساحل الغربي لليمن.
تقدّم الحرب الجارية دروسا جديدة في «الحرب الهجينة» التي تستطيع فيها الأنظمة قليلة الكلفة، كالصواريخ والمسيّرات، من تغيير حسابات المواجهة بين قوى غير متكافئة حيث لم يعد يؤد التفوق في الطائرات الحربية والمنظومات الدفاعية والإنفاق العسكري إلى حماية المنشآت الحيوية من الهجمات المتكررة. تكشف هذه المعادلة، من جهة أخرى، أن الأسلحة الجديدة، أو القديمة، مهما بلغت فعاليتها، لا توفر بالضرورة القدرة على تحقيق النصر السياسي أو السيطرة المستقرة على الأرض، وهو ما يكشفه أيضا تواصل المعارك في تعز ومحافظات أخرى.
السؤال الذي طغى في هذه التطوّرات هو الموقف الأمريكي الذي أظهر إحجام واشنطن المقصود عن الدفاع العسكري المباشر عن السعودية، أحد أهم حلفائها في المنطقة، والتي تملك القدرات اللازمة للتدخل، في الوقت الذي نظمت حملة جوية مكثفة وجهت ضربات هائلة للحوثيين حينما كانوا يهاجمون إسرائيل.
يمكن طبعا عزو الأمر إلى المواجهة التي تخوضها أمريكا مع إيران، لكن السؤال قد يرتفع هنا مجددا: لماذا تقوم بحصار إيران اقتصاديا وعسكريا وتمنع خروج الناقلات والسفن من موانئها، لكنّها تطلق العنان لحلفاء إيران الحوثيين لإظهار قوة حلفائها الخارجيين الضاربة ضد السعودية؟
يفترض أن سقوط قتيل أمريكي في الضربة الحوثية الأخيرة يضع حسابات ترامب أمام اختبار جديد، فاستمرار الامتناع عن التدخل يضعف صورة أمريكا «حامية البحار»، ويصدّع العلاقة السعودية – الأمريكية أكثر، كما يعطي إيران ورقة كبرى للمساومة بدلا من أن يدفعها للتسوية.
ضمن هذا السياق، تبدو احتمالات توسع الحرب أكبر من إمكانيات وقفها، مع رفع الحوثيين الهجمات إلى سقف هائل لا تستطيع معه الرياض، التي تتعرّض مصالحها العسكرية والاقتصادية وصورتها في المنطقة والعالم لأذى كبير، التراجع عن خوض ما يمكن أن يصل إلى «حرب شاملة» ضد الحوثيين.
- القدس العربي






















