لو سألت أي عابر سبيل في منطقة الشرق الأوسط عن أكثر الدول أو الأطراف ربحاً منذ حروب ما بعد السابع من أكتوبر، لأجابك بوضوح ودون أدنى التباس بأن أكثر الأطراف ربحاً، حتى الآن، هو أقلها خسارة. فلا رابح مطلقاً في الإقليم منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب، ولا خاسر بالمطلق سوى فلسطينيي غزة، هؤلاء الذين فقدوا الأهل والمال والولد والبيت والمدرسة والمستشفى والمسجد والكنيسة والشارع، بل إن أغلبهم فقد حتى فراشه وثيابه، وربما ذراعه وساقه، وليله ونهاره. باختصار، خسر أهل غزة أبسط مقومات الحياة، وباتوا يتشبثون بمقومات ما دون الموت!
الطرف الأقل خسارة منذ اندلاع حرب ما بعد السابع من أكتوبر هو إسرائيل، التي كانت جاهزة منذ الساعات الأولى بخطط استثمار الأزمة، التي رأينا عنوانها الأكبر يتصدر ملفاً تأبطه بنيامين نتنياهو لدى خروجه من اجتماع شهده الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي سارع إلى زيارة دعم فوري لإسرائيل، أنصت خلالها إلى إعلان نتنياهو على مسمع من العالم ومرأى، بأنه سوف “نغير وجه الشرق الأوسط“!.
عملية تغيير وجه الشرق الأوسط ليست جديدة، بل إنها ربما بدأت قبل أكثر من مئة عام، بخرائط تقسيم ممهورة بأختام سايكس-بيكو. والمهمة التي تحدث عنها نتنياهو ولم يعلق عليها بايدن، الذي بدا مؤيداً لرؤية بيبي نتنياهو، ليست سوى استكمال بالحرب والسياسة لما بدأه سايكس-بيكو قبل أكثر من مئة عام.
كل ما جرى ويجري منذ إعلان نتنياهو “سوف نغير وجه الشرق الأوسط”، ينبغي النظر إليه والتفاعل معه بموجب هذا الإعلان، من أول حرب الإبادة ضد شعب غزة، التي شنها نتنياهو بمباركة الرئيسين الأميركيين جو بايدن ثم دونالد ترامب، وحتى حروب سوريا ولبنان واليمن والعراق والسودان والصومال، وكلها تدور على خلفية حرب كبرى أميركية-إسرائيلية ضد إيران.
التفكيك وإعادة رسم الخرائط
عملية التغيير الكبرى يمكن إجراؤها بنظام الخطوة/خطوة، أو بالقطعة، باتباع أسلوب التفكيك وإعادة التركيب. فإن استعصى تبني هذا النهج بهدوء ودون صخب، جرى استبداله بنهج التدمير الشامل والهدم، ثم إعادة البناء لاحقاً، على حساب أطراف لم تكن في أي وقت شريكاً أصيلاً في الحرب، وإنما طرفاً متضرراً منها.
أكثر مسببات الاحتقان في المشهد الإقليمي الراهن هو احتشاد وتزاحم ما يبدو للبعض فرصاً لتصحيح خلل في الخرائط، أو لرسم خرائط جديدة، بات فرضها محتملاً أو ممكناً بفعل اختلال في موازين القوة بالإقليم، أنتجه مستوى غير مسبوق من الحضور العسكري الأميركي في مسارح العمليات بالشرق الأوسط.
فيما يتعلق بخرائط الربح والخسارة، فإن إسرائيل هي أكثر أطراف الصراع استفادة من توابع عملية السابع من أكتوبر، بينما دول الخليج هي بين الأكثر تضرراً من توابع تلك الحرب، إلى الحد الذي طال سلامتها الإقليمية في كافة دول مجلس التعاون الخليجي، التي ذاق بعضها ويلات الحرب لأول مرة، بعدما طالتها صواريخ إيران ومسيّراتها.
اتسع نطاق الحرب، وبدا للبعض أنه كلما شملت خرائط الصراع أطرافاً أكثر، اقتربت لحظة الحسم. لكن عملية تمدد خرائط الصراع تحت النار لم تبلغ منتهاها بعد، ولا أظن أنها سوف تبلغها ما لم تتلاقَ خطوط حرب أوكرانيا بخطوط حرب إيران. عندها فقط يكون الاستقطاب قد بلغ غايته، وتكون خارطة التحالفات والتحالفات المضادة قد تبلورت على نحو كافٍ، إما لخوض المعركة الكبرى الحاسمة، أو لبلورة مصالحة تاريخية تضع نهاية توافقية لحرب لم تكن الحراب وحدها قادرة على حسمها.
واشنطن تريد تحالفاً عربياً إسرائيلياً
أكثر معضلات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط هي تلك المعادلة التي تريد الولايات المتحدة بموجبها بناء تحالف أمر واقع بين العرب وإسرائيل برعاية أميركية. وبينما تريد واشنطن حشد العالم العربي إلى جانب إسرائيل لقتال إيران ومعسكرها، تكافح الدبلوماسية العربية للفصل في أدوار الحرب بين جيوش عربية وأخرى إسرائيلية.
أدوار الحرب على إيران تضعها وتقررها قيادة “السنتكوم” (القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط)، التي تتخذ من إسرائيل مقراً لها في الوقت الراهن، ما يضع أطرافاً عربية في موضع الحرج، بينما تلوح في الأفق مؤشرات قوية إلى نهاية عصر “السنتكوم”، وتسليم رايتها إلى قيادة الجيش الإسرائيلي، الذي سيتولى، بعد انتهاء الحرب على إيران، مهام الدفاع عن منطقة اختصاص القيادة المركزية الأميركية.
في الوقت الراهن، ينشغل الإقليم بمجريات الحرب على إيران وما يمكن أن ينتج عنها، بينما ينهمك آخرون في دراسة مآلات تلك الحرب وانعكاساتها المحتملة على مستقبل النظامين الإقليمي والدولي.
أكثر المنشغلين بحسابات الدور في مستقبل النظام الإقليمي هم من يعكفون الآن على استكمال مقومات الوسيط في الصراع.
أهم مقومات الوسيط أو المرشح للوساطة هو ألا يكون طرفاً مباشراً في الصراع، وأن يمتلك أوراق تأثير لدى الطرفين أو أحدهما على الأقل.
الحرص على مؤهلات الوساطة والتأثير ربما كان وراء الموقف المصري المتحفظ تجاه الاصطفاف إلى جانب تحالف يضم أميركا وإسرائيل، فضلاً عن تعارض مصالح حاد وواضح مع إسرائيل، التي يصر دونالد ترامب على أن تكون طرفاً في الحرب وطرفاً في صياغة معادلاتها.
الصراع بمآلاته يتجه صوب حرب كبرى لا تربحها إيران، وتكون نتائجها كافية لوضع إسرائيل على رأس نظام إقليمي، يستكمل ما بدأته حقبة سايكس-بيكو قبل مئة وعشرة أعوام، بينما تعتمر إسرائيل خوذة “السنتكوم”.
- المدن





















