ثمة عبارات تتكرر كثيرًا على ألسنة السوريين، من مسؤولين وغيرهم، مفادها أن البلاد غير مؤهلة أو غير جاهزة لنشوء الأحزاب، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن سوريا خرجت حديثًا من حالة من التفتت، وتعيش وسط حالة من الخراب، وبالتالي فهي تحتاج إلى نوع من التوافق الذي لا توفره الحياة الحزبية، بما تنطوي عليه من تنافس واختلاف. ومن ناحية أخرى، تدّعي الأصوات نفسها أن الأحزاب القديمة لم تعد مؤهلة، ولا تحظى بالقبول الجماهيري. وهنا يبرز السؤال المهم: ما البديل عن الحياة الحزبية السياسية؟ وكيف يمكن للناس أن يشاركوا في صنع مصيرهم، ويتحملوا مسؤوليتهم في رسم مستقبل البلاد وإدارة شؤونها العامة؟
وقبل مناقشة رفض فكرة الأحزاب وتأسيسها، لا بد من العودة إلى الحياة السياسية في سوريا قبل سقوط الأسد، وإلى تاريخها منذ تأسيس كيان الدولة في بدايات القرن الماضي، أي منذ عشرينياته.
لم تكن سوريا، ولا غيرها من البلدان، معزولة عن محيطها الجغرافي أو عما يدور فيه. فقد تأسست فيها الأحزاب منذ ذلك التاريخ، متأثرةً بما كان يحدث حولها؛ فكان التيار الشيوعي في أواسط عشرينيات القرن الماضي، ثم توالت عملية تأسيس الأحزاب، سواء القومية منها، مثل حركة القوميين العرب وحزب البعث، أو الإسلامية، مثل جماعة الإخوان المسلمين. وشاركت تلك الأحزاب جزئيًا في معارك الاستقلال وفي معركة فلسطين عام 1948، كما شاركت محليًا في صياغة دستور عام 1950. وبلغت ذروة مشاركتها في انتخابات عام 1954 البرلمانية، حيث شارك معظمها في الانتخابات ودخل البرلمان، بمعنى أنها انتقلت إلى الحياة الحزبية المؤسسية، وأصبحت شريكًا في صناعة القرار في البلاد. وكانت النكسة الكبرى مع قرار الزعيم عبد الناصر حلّ الأحزاب خلال فترة الوحدة السورية المصرية عام 1958.
عادت الأحزاب للنشاط بعد فترة الانفصال 1961، لكنها دخلت في نمط جديد من العمل، نمط الانقلابات بدل التنافس والعمل السياسي السلمي، نمط حزب القائد وإقصاء الآخرين. كان انقلاب حافظ الأسد عام 1970 آخر انقلاب شهدته سورية، حيث أسس نموذجاً جديداً من الحياة السياسية يقوم على الولاء والتبعية وتقزيم الآخرين، استطاع أن يحول تلك الأحزاب إلى شواهد زور على سياساته الاستبدادية. وفي المقابل كان هناك أحزاب رفضت الانصياع لسياسته الاحتوائية، واختارت طريق المعارضة لنهجه، فكان نصيبها الملاحقة والاعتقال والموت. بدأ نهج الاعتقالات في سوريا الأسد بعد التدخل في لبنان 1976، وتكثفت لدرجة مرعبة في مرحلة الثمانينيات حيث أصبحت شبهة الانتماء لبعض الأحزاب والتنظيمات تودي بصاحبها للموت، دون نسيان حملته الأولى على رفاق الأمس عقب انقلابه مباشرة.
ثمة أمرٌ آخر ينتج عن غياب الحياة الحزبية، وهو ترسيخ الحكم الفردي والفئوي، أو، بمعنى آخر، الشللية والمحسوبية في اختيار الفريق الحكومي، الذي يشكل أحد أهم ركائز الدولة، بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي.
ورث بشار الأسد بلادًا خاضعة، تعيش حالة مواتٍ سياسي، باستثناء أصوات قليلة لشخصيات وبقايا أحزاب، كان أبرزها صوت رياض الترك، الزعيم الشيوعي الذي استمر في مواقفه الصلبة تجاه الأسدين. وكانت هناك مساعٍ من بقايا الأحزاب والشخصيات لضخ دمٍ جديد في الحياة الحزبية السورية، تمثلت في إعلان دمشق عام 2005، الذي طالب بالتغيير السلمي والانتقال إلى حياة ديمقراطية. لكنها باءت بالفشل نتيجة لسياسة النظام الأسدي، التي اتسمت بالإقصاء والتهميش، حيث اعتقل قادة الإعلان المذكور، ناهيك عن حالة الإفقار التي طالت شريحة واسعة من السوريين. وكانت هذه العوامل، إلى جانب عوامل أخرى، من بين الأسباب التي أسهمت في انفجار الثورة عام 2011، التي تمكنت في النهاية، وبعد أربعة عشر عامًا، من الخلاص من نظامه. وكان ذلك أكبر إنجاز عرفته سوريا خلال تاريخها الحديث، كما مثّل بوابة لأي حياة سياسية جديدة ولأي تطور في البلاد، إذ مثّل خروج سوريا من البئر.
ما يغيب عن سوريا هو الحياة السياسية الحزبية، التي يمكن أن تكون عاملًا داعمًا لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، إلى جانب الصحافة الحرة والقضاء المستقل وسائر المؤسسات الرقابية. وليس أثر هذا الغياب أمرًا تكميليًا، بل يساهم، بشكل أو بآخر، في تعميق الصدوع والانقسامات القائمة بين السوريين، وهو ما يرسّخ أنماط الانتماءات الجهوية الضيقة، والتجمعات العشائرية والمناطقية والطائفية، ويسهم في تصعيد مستوى التعصب لهذه البنى، وإعلاء معايير القرابة والنسب والمصالح وغيرها من المعايير البائسة. وبالتالي، تصبح هذه العوامل أسبابًا إضافية في إضعاف الدولة وإدخالها في نفق جديد.
ثمة أمرٌ آخر ينتج عن غياب الحياة الحزبية، وهو ترسيخ الحكم الفردي والفئوي، أو، بمعنى آخر، الشللية والمحسوبية في اختيار الفريق الحكومي، الذي يشكل أحد أهم ركائز الدولة، بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي. ومن هنا، تحتاج البلاد إلى مؤسسات سياسية قادرة على تحويل المصالح والهويات الاجتماعية المتعددة إلى تنافس سياسي سلمي يتجاوز الهويات الأولية. ويمكن للأحزاب أن تكون إحدى أهم هذه المؤسسات، لكنها ليست الأداة الوحيدة. وبمعنى آخر، ما تحتاجه سوريا هو إعادة بناء الحياة السياسية على أساس التعددية والمؤسسات والمشاركة، وعلى أساس أحزاب وطنية ديمقراطية، تكون الديمقراطية سمتها الأهم، بما يرسي في أنظمتها وقوانينها آليات التداول السلمي للسلطة.
لقد تخلّصت سوريا من أعتى نظام قمعي عرفته، وهذا يستدعي التخلّص من آثاره التي كبّلت المجتمع وخنقت حركته السياسية والمدنية.
تعبّر الأحزاب عن مصالح الناس بالطرق السلمية، ومن الطبيعي أن تختلف في رؤاها وبرامجها. وهذا ما يستدعي العمل على تأسيس قانون للأحزاب ينظّم الحياة السياسية، ويفتح الباب أمام تطور سياسي طبيعي في البلاد، على أن يرتكز القانون على شفافية التمويل، ومنع التمييز الديني أو الطائفي أو الإثني، والإيمان بالتداول السلمي للسلطة، ومنع التمويل الخارجي غير المشروع. كما ينبغي ألا يشترط تأسيس الأحزاب الحصول على موافقة مسبقة من السلطة، بل يُكتفى بالإعلان عن تأسيسها وفقًا لقانون الأحزاب المأمول. ومن ناحية أخرى، تتحمل الأحزاب مسؤولية المشاركة في معالجة التحديات التي تواجه البلاد، وهي تحديات كثيرة ومتنوعة، بما يسهم في تعزيز الحياة السياسية ودعم الاستقرار وبناء دولة تقوم على المشاركة السياسية والتعددية.
لقد تخلّصت سوريا من أعتى نظام قمعي عرفته، وهذا يستدعي التخلّص من آثاره التي كبّلت المجتمع وخنقت حركته السياسية والمدنية. ومن أبرز تلك الآثار ما عانته الأحزاب من ملاحقة واعتقال وقمع، وصولًا إلى القتل. ولم يعد الوقت في صالح البلاد في ظل تأخر مأسسة الحياة السياسية، فالأحزاب، إلى جانب هيئات المجتمع المدني والنقابات المستقلة والإعلام الحر والقضاء المستقل والمؤسسات الرقابية، تشكّل ركائز أساسية لإعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها على النجاح والاستقرار، وهو ما يأمله ويسعى إليه السوريون.
وإذا كانت سوريا تريد الانتقال من مرحلة حكم الفرد إلى دولة المؤسسات، فإن بناء الحياة السياسية ليس ترفاً ولا ملفاً يمكن تأجيله، إنما هو جزء من عملية إعادة بناء الدولة نفسها، لاسيما أنها تعيش حالة من الانقسامات الكبيرة والصدوع العميقة المتمثلة في الطائفية والعشائرية والإثنية.
- تلفزيون سوريا
























