تتجاذبُ مصائرَ دروز السويداء قوىً سياسية متعددة تتصارع داخل تلك الجغرافيا النائية، والمنسيّة في أقصى الجنوب، والتي باتت شبه معزولةٍ عن سوريا الوطن، وعن سوريا الدولة، بصيغتها الراهنة وإنْ كانت صيغةً إشكالية لدى البعض.
ومع إضافة ضحية جديدة على قائمة التصفيات الممنهجة للتيار السياسي المعارض للشيخ حكمت الهجري، تمثّلت بقتل أنور فوزات الشاعر الذي فارق الحياة بثلاث رصاصات أردته قتيلاً أمام بيته مساء الأحد الماضي، تصير السويداء أكثر ميلاً للتوحّش والانفلات الأمني القائم على قبول جمعيّ لتسلّط أتباع المشروع الانفصالي على مساق الحياة العامة، متمثلين بما يسمّى بالحرس الوطني، الذراعِ العسكري لتثبيت المشروع الانفصالي داخل السويداء.
قبل مقتل الشاعر، تمّت تصفية الشيخين رائد المتني، وماهر فلحوط، وبعدهما الإعلامي اليافع نورس ناصر. تلك التصفيات جاءت بمثابة جرائم قتل، من دون أن تتم إدانتهم بصورة علنيّة أمام القضاء المحلّي، في وقتٍ أخذت تنتشر فيه، وعلى نطاقٍ واسع مشاهدُ مفزعة لمعاناة النازحين الدروز داخل مراكز الإيواء المنتشرة في مناطق سيطرة الشيخ الهجري، والتي تُقدّر بثلثي المساحة الإجمالية للمحافظة، حيث يقطنون فيها منذ خمسة أشهر، وتغيب عنهم مقومات الحدّ الأدنى من البقاء، وهم يستقبلون فصلَ شتاءٍ قاسٍ ومرهق للجميع.
كما لا يزال الاتجار بالمظلومية الدرزية التي تشكّلت كخطاب سياسي تعبويّ أعقب اجتياح السويداء منتصف تموز/يوليو الماضي من قبل العشائر، وقوات وزارتي الدفاع والداخلية قائماً، وكان فيه مناسبةً موائمة لتمرير مشروع الانفصال داخل الوعي الجمعي المنهار بفعل الانتهاكات والخوف من تكرارها.
ثم يجيء تعطّل الفضاء السياسي العام، ومصادرته من قبل البندقية والفكر التخويني، ليجعل من التقاعس، والخمول سمتين سائدتين لمخرجات الوعي الجمعي الذي يُظهر ميلاً واضحاً نحو قبول أي خيار خارج إطار ومرجعية الدولة السورية.
أما الأصوات السياسية، أو الفصائلية المناوئة للشيخ الهجري، فسرعان ما يجري التخلّص منها إما بالتصفية المباشرة، أو بالتنغيص والتضييق عليها لتصير مجبرةً على مغادرة السويداء.
ثمّة ثلاثة تيارات سياسية ظهرت داخل السويداء مؤخراً، لا أسماء أو عناوين لها، لكنها ترتهن إلى الصيغة الوصفية كهوية تعريفية بها، أكبرها وأكثرها اتساعاً هو التيار الموالي للهجري ومشروع الانفصال عن سوريا حيث جرى تسويقه علانيةً منذ شهر آب/أغسطس الماضي، وتمسّك به الكثيرون علّه يكون طوق نجاتهم من فجائع حياتهم.
وتيارٌ ثانٍ لا يريد الانفصال ولا يتبع للشيخ الهجري، لكنه يرفض السلطة الانتقالية في سوريا، وينتظر حلولاً سياسية من قبيل اللامركزية الموسّعة، أو الفيدرالية، وهو التيار الثاني من حيث الاتساع العددي.
أما التيار الثالث، الأقل عدداً، والذي يواجه قمعاً مزدوجاً من قبل التيارين سالفي الذكر، فهو التيار المعارض للهجري بشدة، والموالي لحكومة دمشق.
وأمام ذاك الاصطفاف تتحدد مصائر دروز السويداء، فتتناحر حيناً فيما بينها، أو تتحالف حيناً آخر في إطار صراع درزي محلي للاستحواذ على مصادر التمويل الخارجي، وأغلبه من دروز إسرائيل، ومن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكذلك من المغتربين الدروز في الخارج.
ولأن اتفاق عمان-2 مازال معطّلاً، يرفض الهجري تطبيقه، فهذا يعني أن مصير السويداء سيظل معلّقاً في هواء السياسة الجاف، ينتظر الإملاءات الخارجية لينكشف مصيره، وفي هذه الأثناء يدفع دروز السويداء ضريبة باهظة من العزلة، ومن انحسار سبل الحياة الكريمة عنهم.
- المدن


























