يحق للسوريين اليوم الاحتفال برفع قانون قيصر للعقوبات الذي فرض على نظام بشّار الأسد قبل سنوات، وساهم، إلى حد كبير، في إسقاطه بعد الانهيار الاقتصادي الذي أوصل البلد إليه. ويحق للسوريين أيضاً ترقّب انفتاح اقتصادي واستثماري يعيد الانتعاش للبلاد الخارجة من حرب أهلية استمرّت 13 عاماً.
ومن المعلوم أن سورية اليوم، وبعد انهيار نظام الأسد وتولي أحمد الشرع السلطة، وفي ظل الانفتاح الذي يبديه الغرب والمحيط العربي على النظام الجديد، هي ساحة استثمارية جاذبة لكل القطاعات الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة الإعمار الذي تحتاج إليه البلاد، والذي كان يعيقه وجود قانون قيصر، والذي كان يمنع أي تعاملاتٍ اقتصادية مع السلطات السورية.
اليوم، ذهب قانون قيصر إلى غير رجعة، فعلى عكس التعليق المشروط للقانون الذي وضعته الإدارة الأميركية في الأشهر الماضية، فإن ما صوّت عليه الكونغرس نصّ على إلغاء كامل وفوري للقانون، من دون إمكانية العودة إلى تفعيله بحد ذاته في المستقبل، وهو يعد إيجابياً إلى درجة كبيرة في ما يخصّ آلية التعاطي الأميركي مع الإدارة السورية الجديدة.
في الوقت نفسه، لا يعطي هذا الحكومة السورية الجديدة ضوءاً أخضر للقيام بما يحلو لها في المستقبل، خصوصاً في ما يخص تجاهلها كثيراً من الشروط الأميركية التي كانت موضوعة سابقة لرفع قانون قيصر. فمع أن الإلغاء اليوم غير مشروط، لا تزال هناك الكثير من المطالب الأميركية التي ستكون محل مراقبة في الأشهر المقبلة.
وبحسب القانون، هناك آلية تلزم الرئيس الأميركي أو من ينوب عنه في تقديم تقرير نصف سنوي حول مدى التزام الحكومة السورية في تنفيذ المطالب الأميركية. والحديث هنا عن ثمانية بنود، بعضها بدأت الإدارة السورية بتنفيذها، وفي بعضها الآخر ملفات شائكة لا تزال الحكومة غير قادرة على التعامل معها.
يتقدم هذه البنود مطلب “مكافحة الإرهاب”، وهو للآن يعد الأسهل من ضمن المطالب، خصوصاً أن الحكومة السورية أعلنت الانضمام “سياسياً” إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وهي تشن حملات منذ أسبوع على خلايا التنظيم في عديد من المناطق السورية، ولا سيما بعد حادثة مقتل جنديين أميركيين ومترجم أميركي في هجوم لـ”داعش” في تدمر.
وفي السياق نفسه، يأتي مطلب مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وهو يندرج ضمن مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات المدرجين في المطالب الأميركية. وهو ما تحدث المسؤولون السوريون عن الالتزام به في أكثر من مناسبة.
من المطالب السهلة أيضاً، نسبياً، ولا ترى الحكومة السورية مشكلة في تطبيقها، هي “وقف أي عمل عدائي ضد دول الجوار”، والمقصود هنا إسرائيل تحديداً. فالانفتاح الذي أبدته الحكومة، بناء على ضغط أميركي، تجاه إسرائيل غير مسبوق، وكان هناك تقدم باتجاه إبرام اتفاق أمني، قبل أن تنهار المفاوضات بفعل التعنت الإسرائيلي في الانسحاب من الأراضي السورية.
تبقى هنا المطالب المعقدة، وفي مقدمتها مسألة إبعاد المقاتلين الأجانب عن المواقع الحكومية. هذا المطلب، ورغم وجود توجه كبير داخل الحكومة السورية لتنفيذه، يحمل في طياته مخاطر كثيرة داخل نظام الحكم السوري الجديد، والذي وصل إلى السلطة في إطار ائتلاف لم يكن المقاتلون الأجانب بعيدين عنه.
أيضاً هناك ملف التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتطبيق اتفاق 10 مارس (2025)، والذي لا يزال فيه تعقيدٌ كثير، في ظل الخلاف الكبير في وجهات النظر بين الحكومة و”قسد” حول مستقبل حكم البلاد والدرجة المقبلة من “الفيدرالية” للطرفين.
ولا يمكن التغافل أيضاً عن مطلب “حماية حقوق الأقليات” في سورية، التي تعيش في مناطق واسعة من البلاد في عزلة عن الحكم المركزي، بل ترى فيها خطراً عليها، قياساً على الأحداث التي وقعت في الساحل السوري والسويداء.
عدم تحقيق جزء من هذه المطالب، بناء على ما ستراه الإدارة الأميركية خلال التقريرين اللذين سيقدّمان خلال 360 يوماً، لا يعني أن عقوبات “قيصر” سوف تعود، لكنه قد يفتح المجال للرئيس الأميركي لفرض عقوبات جديدة ستعيد الوضع الاقتصادي السوري إلى دائرة التعقيد.
مجدّداً، يحق للسوريين اليوم الاحتفاء بدفن قانون قيصر، لكن مع العمل على إبعاد أي شبح جديد للعقوبات عن سورية.
- العربي الجديد



























