بعد الهجوم الذي استهدف جنوداً أميركيين في تدمر، في الثالث عشر من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، وجدت سوريا نفسها وسط اختبارات صعبة، في لحظة فارقة يمثل الزمن عنصراً ضاغطا فيها، وتتزاحم الملفات الخطيرة على الطاولة بانتظار حل مشكلاتها، مع نتيجة متوقعة وحيدة لا بديل عنها، هي النجاح في كل الاختبارات بسرعة وكفاءة.
هذا التموضع على حافة السكين، هو المظهر الحقيقي لسوريا اليوم، بعد مضي عام كامل على سقوط نظام الاسد وانتصار الثورة، تضمّن بذل جهود ربما تكون غير مسبوقة في تاريخ المنطقة لبلوغ هذه المرحلة، حيث كان ما هو سواها عبارة عن انهيار شامل للبلاد أمنياً وجغرافياً واجتماعياً.
جاء حادث تدمر ليفرض تغييراً ضرورياً وحاسماً في الأولويات، ويفرض اختبارات جديدة بعد إلغاء قانون قيصر، وانزياح ثقل العقوبات الاقتصادية. فأي تقدم على صعيد إعادة بناء البلاد، لن يكون ذا قيمة من غير استقرار الوضع الأمني وإنفاذ القانون، بل ومن غير إثبات قدرة الدولة الجديدة على فرض هذا الاستقرار، كي تكون مؤهلة للتعامل مع المجتمع الدولي، والمستثمرين، ولتتمكن من حيازة دور إقليمي يناسب سوريا، قادر على فرض وجودها كرقم صعب ومؤثر في معادلات المنطقة.
لا شك أن هذا الحادث كان من الممكن أن يخلف أضراراً كبيرة، لولا أن إدارة الرئيس ترامب، والرئيس شخصياً، وضعا رهاناً كبيراً على سوريا، وهو رهان لا يمكن التراجع عنه أو تعديله استناداً إلى حادثة منفردة، أو حتى إلى سلسلة حوادث. فالإقدام على ذلك كان سيعكس سوء تقدير في مقاربة ترامب لهذا الملف من الأساس، وقد تنتقل العدوى إلى ملفات أخرى اتخذ فيها مواقف غير متوقعة.
غير أن هذا “الثبات الترامبي” أسهم فعلياً في الحيلولة دون تحول الاعتداء إلى ذريعة للتشكيك في جاهزية سوريا للتعامل مع هذا المسار أو القبول به، وانهى أي تفسيرات، تتعدى كون أن الأمر يتعلق بهجوم إرهابي استهدف سوريا كما استهدف القوات الأميركية، وأن مواجهته بحاجة إلى إجراءات مشتركة تتصدى لتنظيم داعش، وجميع الأنشطة الإرهابية المحتملة. فضلاً عن إفشال ادعاءات عديدة صدرت عن أطراف كانت تترقب مثل هذه الهجمات لفرض وقائع تقسيمية في البلاد، أو لاكتساب شرعية تتيح لها تقديم نفسها بوصفها الحليف الأجدر للولايات المتحدة على حساب الحكومة المركزية، وانتزاع دور في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
وبالرغم من أن الدعم الأميركي منح سوريا فرصة لتجاوز تداعيات ما جرى، بل ووفر لها هوامش أوسع في المرحلة المقبلة، ومنع أي طرف من استغلال الحدث لتأليب واشنطن أو دول الإقليم، فإن هذا الحدث ينبغي أن يشكل في الوقت ذاته مدخلاً لوضع آليات حاسمة، لا لمواجهة إرهاب تنظيم داعش فحسب، بل أيضا للتصدي للأفكار المتطرفة التي يمكن أن توفر لداعش ومثيلاته بيئة حاضنة، وقبولاً وملاذاً وإمداداً بشرياً متجدداً، بل وقد تسهم في نشوء تنظيمات جديدة تنافسه وتنتج أسباباً إضافية للتوتر وعدم الاستقرار.
داعش وصراع الإقليم
والحقيقة أن سوريا لم تكن بحاجة إلى حادثة تدمر كي تدرك أن الإرهاب ما زال حاضراً هنا وهناك، وأن فرص عودته ونموه لا تزال قائمة. فهذا واقع كان متوقعاً منذ البداية؛ إذ ما زالت داعش تتخذ من الجغرافيا المعقدة لوادي حوران وصحراء تدمر، وربما مناطق أخرى، ملاذات للاختباء وإعادة التنظيم، إلى جانب ما يُعرف بالذئاب المنفردة التي تنتشر داخل التجمعات السكنية في الأرياف والمدن.
ويزداد خطر عودة الإرهاب، سواء عبر داعش أو غيرها، في ظل وجود أطراف إقليمية لم يرق لها ما يجري في سوريا، ولا طبيعة العلاقة الخاصة التي نشأت بين دمشق وواشنطن. لذلك ترى هذه الأطراف في دعم داعش، أو في السعي إلى خلق تنظيمات بديلة مشابهة، وسيلة ناجعة لإشغال سوريا عن أولوياتها في الإعمار والتنمية وتوحيد البلاد. فالمطلوب، وفق هذا المنطق، هو إبقاء سوريا دولة فاشلة، بما يتيح التدخل في شؤونها.
إن تطور الأحداث في سوريا يمثل نكسة كبرى لمشروع إقليمي ضخم كان ناجحاً أو على الأقل لم يخسر حتى الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، يوم هرب الأسد، وأصبحت المنطقة بكاملها في سياق جيوسياسي جديد ومختلف جوهرياً، جعل دولاً إقليمية وعربية كثيرة تبادر فوراً لمساعدة سوريا الجديدة، بعدما وجدت في ذلك الحدث انتقالة تاريخية من سياق إلى آخر. لكن بالمقابل، فإن أطراف المشروع المهزوم، لم تخسر كل أوراقها، وما زالت خطيرة وتمارس كل ما يمكن من أجل استعادة ما خسرته أو على الأقل منع قيام نظام إقليمي جديد مناقض لها.
هذا الطرف الخاسر المتمثل تحديداً بإيران ومن يساندها، لن يفوت فرصة إمداد داعش، وهو قام من قبل بدعم تنظيم القاعدة في العراق لمواجهة القوات الأميركية وإشغالها ودفعها للاستعانة بحلفاء إيران، بل وبإيران ذاتها، ونجح نسبياً في ذلك. كما أن داعش نفسها تعتاش أصلاً على الانقسامات في المنطقة والثغرات وغياب القانون والفقر والبطالة، التي تمنحها فرصاً للتنفس والعمل لحساب طرف على حساب آخر، لان أوليتها هي البقاء، قبل أي شيء آخر.
أين تُهزم داعش فعلاً؟
من المهم معرفة أن أي طرف خارجي لن يستطيع ممارسة تدخل حاسم من دون مساندة داخلية، بل أن داعش لن يمكنها مواصلة نشاطاتها أو تواجه الدولة من غير وجود بيئة حاضنة، لا تتمثل فقط بالمجتمع، بل بفئات قاتلت ضد النظام السابق، لكنها لم تتفهم بعد أولويات النظام الجديد، والمخاطر التي تواجه سوريا. والخطورة أن هذه الفئات لها أولويات مختلفة تماماً، ويمكن أن تصبح خطيرة جداً، ما لم يجر استيعابها في الرؤية الجديدة للدولة السورية. ومثل هذه المهمة هي في واقع الأمر أكثر صعوبة من القتال ضد أعداء أو خصوم واضحين.
هذه المهمة هي في جوهرها، معركة بحد ذاتها وطويلة الأمد؛ فإذا فشلت الحكومة في خوضها، تكون البلاد قد خسرت فرصتها الأخيرة. وهي معركة أصعب من معركة التحرير نفسها. لكن لا يمكن التخطيط لها، ولا خوضها بفعالية، من دون حكمة دولة تتناسب مع أعباء مرحلتها الانتقالية؛ حكمة تضع حداً لأي اعتبارات فئوية أو ظرفية، وتعزز مكانة القانون بوصفه مرجعية للعدالة والمساءلة، وتعيد للإعلام دوره المهني بعيداً عن ترويج الخطاب الحكومي أو تمجيد المسؤولين، وتمنح التعليم أولوية فعلية عبر إلزام الطلاب بإكمال دراستهم حتى سن الثامنة عشرة، بوصفها المرحلة التي يستكمل فيها الحد الأدنى من التكوين المعرفي والمدني، ويغلق عندها أحد أهم مسارات الاستقطاب المبكر والتطرف، قبل القفز إلى سياسات الاستثمارات والمشاريع العمرانية والأبراج ووضعها في مقدمة إعادة الإعمار. هذه البناءات لم تتبلور حتى الآن ضمن خطط واضحة وشفافة، تشكل مساراً ملزماً للسنوات الخمس المقبلة، ويترافق ذلك مع ضعف في مسار العدالة الانتقالية، واستمرار ممارسات تعكس أنماطاً قديمة في إدارة الدولة تشبه ثقافة البعث، سواء عبر ارتجال بعض الوزراء، أو تساهلهم في تحمل المسؤولية العامة، أو من خلال بروز شخصيات غير مخوّلة تتحدث باسم الدولة أو تدعي قربها من مركز القرار. وبطبيعة الحال، يؤدي هذا الواقع إلى فتح مداخل قابلة للاستثمار، أولاً من قبل تنظيم داعش، ثم من قبل قوى إقليمية، في مقدمها إيران وغيرها.
إن تجاهل هذه التفاصيل، التي قد تبدو للبعض بعيدة عن جوهر مكافحة تنظيم داعش وبنيته وآليات تولده، يشكل في الواقع أحد الأسباب الأساسية للفشل المتكرر في مواجهة التطرف، وهو التطرف ذاته الذي يقوم عليه الأساس الفكري والتنظيمي لداعش. فالتعامل مع هذا التنظيم لا يمكن أن يقتصر على المقاربة الأمنية أو العسكرية وحدها، ولا على التعويل على الدعم الأميركي أو الاطمئنان إليه، لأن من يفهم فكر داعش يدرك أنه يتغذى على اختلالات المجتمع قبل أن يتحول إلى تهديد مسلح. وهذا ما تعيه إيران وغيرها من القوى التي تجيد النفاذ عبر هذه المداخل. وهو ما يفترض أن يكون محل إدراك واضح لدى الدولة السورية في مرحلتها الانتقالية، ضمن أي مقاربة جدية لمواجهة الإرهاب ومنع إعادة إنتاجه.
- المدن


























