بعد سقوط الأسد، دخلت سوريا مرحلة لا تشبه ما قبلها، مرحلة يتقاطع فيها الأمل مع الهشاشة، والحرية مع القلق والخوف، وإرادة البناء مع ثقل الإرث، وأمام هذا الاستحقاق يصبح السؤال عن حدود العلاقة بين الدولة والمجتمع سؤالاً جوهرياً، يستدعي نقاش فكرة مساءلة السلطة، لا بمعنى الصراع معها أو التشكيك في مسارها وشرعيتها، بل بمعنى إقامة علاقة ناضجة بين سلطة تحكم بمسؤولية وكفاءة، ومجتمع يسهم في نجاحها بالرقابة والمساءلة والمطالبة بالتصحيح.
ولأن السوريين عانوا عقوداً من تهمة التخريب كلما سمع لهم صوت ناقد، فهم بعد انتصار ثورتهم جادون في تأكيد حقهم بالمساءلة، باعتبارها فعل صيانة للسلطة، وليست فعلاً تخريبياً، والفرق جوهري بين الدولة ككيان جامع باقٍ، وبين السلطة كإدارة مرحلية قابلة للتغيير، فالدولة ليست ملكاً لأحد، ولا لحزب أو جماعة، ولا عائلة، ولا حتى لجيل سياسي بعينه، الدولة هي القانون، والمؤسسة، والسيادة، والكرامة، والذاكرة الجمعية، أما السلطة فهي أمانة مؤقتة في يد من يحكم، ومن يحكم لا يصبح مالكاً للدولة، بل مسؤولاً عنها، ولأنه مسؤول، فهو محاسب.
لماذا يجب أن نسائل السلطة؟ لأن المساءلة حق للشعوب، لا ينازع في ذلك أحد، حتى المستبدون الذين يواجهون من يسائلهم بالقمع والإقصاء، هذا أولاً. وثانياً، لأن المرحلة الانتقالية ليست زمناً عادياً، إنها زمن هشٌّ تتشابك فيه قضايا الأمن والاقتصاد والانقسام والتدخل الخارجي والسلاح خارج إطار الدولة، وهذه الإكراهات حقيقية، لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تبرر الصمت حين يجب السؤال والانتقاد، ورغم أن الحذر من التخريب مطلوب دون شك، لكن لا يجوز أن يتحول إلى كمّامة، والتدرج ضروري في مرحلة بناء صعبة، لكن لا يجوز أن يصبح تعطيلاً دائماً للحق في السؤال، والأمن لا يعني غياب الصوت، ولا يُقايض بالحريات، والاستقرار لا يعني غياب المحاسبة، ولا يمكن قبول التخويف من فقدانه لتقييد الفضاء العام.
يجب أن نسائل لأن الأخطاء الصغيرة في التحولات الكبرى تتحول إلى بنى، فالقرار الخاطئ اليوم قد يصبح سياسة غداً، ومؤسسة هشة اليوم قد تصبح إقطاعية نفوذ بعد سنوات، والفساد المستتر اليوم قد يصبح نظاماً مالياً وإدارياً وقحاً ومتجذراً، لذلك، فالمساءلة تصحيح مبكر، وهي السد الوقائي بمواجهة سيل الأزمات، فمن يسأل في الوقت المناسب يمنع وقوع الكارثة، ومن يصمت حتى تتراكم الأخطاء يجد نفسه أمام انفجار لا يستطيع أحد ضبطه.
يجب أن نسائل لأن الدولة ملك لنا، لا لأن الدافع للمساءلة طمع بالسلطة، أو تقاسم مكاسبها وامتيازتها، أو منازعة القادة على مواقعهم، ولا نسائل السلطة لأننا نكرهها أو نشكك بنهجها، بل لأننا نحرص عليها كما يحرص صاحب البيت على بيته..
يجب أن نسائل لأن السوريين لم يضحوا لتبديل وجوه وأسماء، بل لتغيير منهج أخرجنا لعشرات السنين من دائرة صنع قرار مستقبلنا.
أصوات السوريين، كل السوريين الأحرار، من ضحى وهُجّر وصمد واعتُقل وفقد أحبابه، لم تهتف بإسقاط النظام البائد إلا لأن غايتها دولة القانون والعدالة وكرامة الناس، ولذلك، فالقبول بمؤسسات هشة، أو التغاضي عن فساد صامت، أو الخوف من نقد السلطة، كل ذلك يهدر التضحيات، فالمساءلة الوطنية هي التي تحمي من تحول الدماء الزكية إلى صفقات نفوذ، وتحفظ معنى الثورة ومكابدات أحرارها من أن يعتقل مجدداً في أقبية مظالم جديدة.
يجب أن نسائل لأن الدولة ملك لنا، لا لأن الدافع للمساءلة طمع بالسلطة، أو تقاسم مكاسبها وامتيازتها، أو منازعة القادة على مواقعهم، ولا نسائل السلطة لأننا نكرهها أو نشكك بنهجها، بل لأننا نحرص عليها كما يحرص صاحب البيت على بيته، فالسلطة التي لا تُساءل تصاب بالترهل، والمؤسسة التي لا تُراقب تتحول إلى مركز نفوذ مغلق، وهنا يبرز دور الصحافة الحرة، ومنظمات المجتمع المدني، والقضاء المستقل، وشفافية المؤشرات، باعتبارها صمامات أمان، لا تمنع الدولة من التصدي لمسؤولياتها، بل تمنعها من الانحراف عن واجباتها.
والمساءلة مشروطة بضوابط يمليها المنطق الوطني، فالسلمية والعلنية واحترام القانون والنهج المسؤول، معايير تفرّق بين نقد السياسات والتربص بالدولة أو معاداتها، فلا ينتقص من موقف المعارض أن يعترف بالإنجاز، ويساهم في اقتراح البدائل، ويرفض التحريض، ويتراجع خطوة عندما يتهدد الوطن خطر التفتيت، أو يصبح خطابه عتبة شرعية لدعاة العنف أو التدخل الخارجي ضد سيادة الشعب، فالمساءلة الوطنية لا تبيع الوطن، ولا تفتح الأبواب للعابثين، ولا تستثمر الأزمات لمصالح ضيقة.
ويثير سؤال المساءلة مفارقة عميقة، فالسلطة التي ترفض المساءلة، تهدر حقها في مساندة شعبها ونخبه، فهي أول من يستفيد من ثمار المساءلة، وكلما زادت مقاومة السلطة للسؤال، دلّ ذلك على هشاشتها لا على قوتها، فمن يغلق باب المساءلة يكشف ضعفه وخوفه من الحقيقة، ويؤكد أن في الأمر ما يريب وما يستحق السؤال، وهذا الخوف هو أخطر ما يهدد السلطة، خاصة في مرحلة انتقالية تعصف بها التحديات، ويترقب الجميع ويراقب الأداء، وفي كل هروب
من الأسئلة المفصلية تتراكم الشكوك حتى تتحول إلى يقين بملامح فشل، وتتعاظم الظنون إلى مستوى الاتهامات، ويفسح غياب الإجابات عن الهواجس متسعاً للقلق والفوضى والاضطراب.
في سوريا الجديدة، كَسب الشعبُ من تضحياته الموجعة صوتَه وكرامته، بعد أن أسقط السلطة المطلقة والأبد الاستبدادي، ويطمح اليوم إلى سلطة تحمي وتحكم وتدير شؤونه وتبني، وبات المجتمع شريكاً يراقب ويسائل ويحاسب..
لقد علّمنا تاريخ الأمم أن السلطة المطلقة لا تسقط فجأة، بل تتآكل دعائم بقائها ببطء، وقد يبدأ مسار التهاوي من تجاهل سؤال صغير، ثم تبرير خطأ محدود، ثم تجاهل ارتكاب المزيد منه، فيتحول الخطأ الاستثناء إلى قاعدة، وعندما تصل هكذا سلطة إلى نهايتها، يكون الثمن باهظاً، لذلك، فالمساءلة ليست ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة استراتيجية، فهي تمثل الفرق بين دولة تتعلم من أخطائها، وأخرى تكررها حتى تنهار.
يجب أن نسائل السلطة، وتستجيب، لأن الصمت عن الأخطاء لا يحمي الدولة، بل يخفي خطراً كامناً يتهددها، فقدرة السلطة على الاستمرار تظهر في الاستماع للنقد والتصحيح، وإزالة أسباب فقدان الثقة بمسارها ونهجها، وحين يجد الشعب قناة قانونية متاحة يسأل ويقترح ولا يحتج، وحين لا ييأس من الاستجابة لا يلجأ إلى الغضب العنف، ولا يتحول الصوت المسؤول إلى دوي انفجار، فالمساءلة تسحب الذرائع من المتربصين والمتطرفين، ومن الفاسدين، ومن كل من يريد إضعاف الدولة، وفي هذا يقول الفيلسوف كارل بوبر إن المجتمع المفتوح هو الذي يقبل النقد ويصحح مساره، لا الذي يدّعي الكمال، ويقول جون لوك إن السلطة أمانة من الشعب، ومن حق الشعب أن يسائل من يحكم.
ختاماً، في سوريا الجديدة، كَسب الشعبُ من تضحياته الموجعة صوتَه وكرامته، بعد أن أسقط السلطة المطلقة والأبد الاستبدادي، ويطمح اليوم إلى سلطة تحمي وتحكم وتدير شؤونه وتبني، وبات المجتمع شريكاً يراقب ويسائل ويحاسب، ودور المجتمع هذا ليست مناكفة ولا مشاكسة ولا صراعاً مع السلطة، بل دعماً لها في مسؤولياتها وصيانة للدولة، ويخطئ من يظن الصمت ولاءً، فالولاء الحقيقي أن نمنع السلطة من أن تخطئ، وأن نحمي الدولة من الهشاشة، لتكون سوريا كما نحلم.
- تلفزيون سوريا

























