فيما تستعر جبهة اليمن، وتغلي جبهات لبنان وفلسطين وسوريا وإيران على نار الانتخابات الإسرائيليّة والأميركيّة، بانتظار انفجار جديد، يتواصل الجدل حول شكل النظام الأمنيّ الإقليميّ الذي تؤسّس له هذه الحروب، وموقع إسرائيل وإيران فيه. لكنّ قراءة العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة الناشئة تكشف ما هو أبعد من مستقبل المواجهة بين القوّتين، تكشف تصوّراً لإقليم يقوم أمن إسرائيل فيه على تفوّقها الدائم، حيث لا يشكّل استقرار الدول العربيّة وقوّتها بالضرورة مصلحة إسرائيليّة، حتّى بالنسبة إلى الدول التي تربطها بها علاقات سلام وتطبيع.
سال حبرٌ كثير في السنوات الثلاث الماضية لوصف عمق التغيير الذي أحدثته هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل في تفكير صانع القرار الاستراتيجيّ الإسرائيليّ. لكنّ أحد أوضح النصوص وأكثرها اتّصالاً بالمؤسّستين العسكريّة والأمنيّة هو ما نشره معهد دراسات الأمن القوميّ الإسرائيليّ المرتبط بجامعة تل أبيب، في 12 تشرين الأوّل الجاري، بعنوان “مفهوم الأمن القوميّ الجديد: بلورة المفهوم وأسئلة للنقاش”. وهو نصٌّ يستحقّ أن يتوقّف عند مضامينه صنّاع القرار ومستشاروهم في الدول المعنيّة بهندسة النظام الأمنيّ الإقليميّ الناشئ.
يقدّم المدير التنفيذيّ للمعهد، والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة “أمان” بين عامَي 2018 و2021، تامير هايمان، تشخيصاً لتحوّل يتجاوز العقيدة العسكريّة إلى هويّة الدولة الإسرائيليّة نفسها. ولا يتبنّى هايمان هذه العقيدة، بل يحذّر من تداعياتها، موضحاً أنّها لم تُصَغ في وثيقة رسميّة ولم تعتمدها المؤسّسة الأمنيّة، لكنّه يستخلص مبادئها من السياسات المتّبعة منذ السابع من أكتوبر 2023.
صحيح أنّ ما يقدّمه هو تفسير شخصيّ لعقيدة غير معلنة، لكنّه تفسير يصعب على الدول التي يتناولها تجاهله أو الاستهانة بدلالاته، خصوصاً أنّ إحدى فرضيّاته تنصّ صراحة على تشجيع تفكّك الدول العربيّة.
تعرض إسرائيل يد المساعدة العسكريّة في مواجهة الحوثيّين، فيما تتجاوز مصالحها المحتملة وقف الصواريخ والمسيّرات إلى فتح باب التطبيع
إسرائيل الجديدة: لا سلام ولا حدود
يستخلص هايمان من الممارسة الإسرائيليّة تسعة مبادئ للعقيدة الأمنيّة الناشئة، يمكن جمعها في ستّة محاور:
1- أولويّة اليهوديّة على الديمقراطيّة: تتقدّم الهويّة اليهوديّة للدولة على قيم المساواة والديمقراطيّة، حتّى لو جاء ذلك على حساب حقوق المواطنين غير اليهود.
2- السلام وسيلة والحرب قاعدة: الاتّفاقات مع العرب، من السلام إلى التطبيع، ترتيبات مؤقّتة لا يُعوّل عليها لتحقيق الأمن، فيما تصبح الحرب، وخصوصاً الوقائيّة، حالة مستمرّة لا استثناءً تفرضه الضرورة.
3- إنكار الدولة الوطنيّة العربيّة والحلّ الفلسطينيّ: تُعامل معظم الدول العربيّة بوصفها كيانات مصطنعة من قبائل وطوائف وجماعات إثنيّة، لا تجمعها هويّة وطنيّة أصيلة. وبالتالي يصبح إضعافها وتفكيكها مساراً يمكن لإسرائيل الاستفادة منه وإدارته، بل وتشجيعه. وفي المقابل، تُنكر أصالة الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة ويُرفض قيام دولة فلسطينيّة مستقلّة.
4- الهجوم والدفاع المتقدّم: تتقدّم الضربات الاستباقيّة على الردع والإنذار المبكر، مع إقامة مناطق أمنيّة داخل أراضي الجوار، وتحويل المستوطنات والمدنيّين إلى جزء من المنظومة الدفاعيّة، بما في ذلك في لبنان وسوريا وغزّة.
5- الاستقلال عن الولايات المتّحدة: تُعتبر أميركا قوّة متراجعة ستتخلّى عن إسرائيل عاجلاً أم آجلاً، فيما يُنظر إلى الاعتماد عليها باعتباره قيداً عسكريّاً وسياسيّاً وقيميّاً يعرّض الهويّة اليهوديّة لتأثير الأفكار التقدّميّة الغربيّة التي ينبغي التحرّر منها.
6- الاستقلال الصناعيّ والعسكريّ: إعطاء الأولويّة للإنتاج الدفاعيّ المحلّيّ والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ لتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد والشراكات الدوليّة.
الملامح العقائديّة لـ”إسبرطة العظمى”
تكاد هذه المبادئ ترسم الملامح العقائديّة لـ”إسبرطة العظمى” التي تحدّث عنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكن بما يتجاوز الاستعداد للعزلة والاكتفاء العسكريّ إلى إعادة تعريف علاقة إسرائيل بمحيطها الإقليميّ. فهي دولة تجعل الحرب المستمرّة أساساً لأمنها، وتتعامل مع السلام والتطبيع باعتبارهما ترتيبين مؤقّتَين، وتنظر إلى استقلال جيرانها وقوّتهم باعتبارهما تهديداً محتملاً، وتسعى إلى التحرّر من القيود التي تفرضها علاقتها الخاصّة بالولايات المتّحدة.
تكشف هذه الحروب حدود الرهان على التطبيع والتكامل الأمنيّ مع إسرائيل باعتبارهما ضمانة لمواجهة إيران
الأخطر أنّ هذه العقيدة لا تعيد تعريف شروط الحرب والسلام فحسب، بل وظيفة الحدود أيضاً. فرفض الدولة الفلسطينيّة، وتوسيع الاستيطان، وإقامة مناطق دفاع متقدّم داخل أراضي الجوار، تعكس تصوّراً لا تعود فيه حدود الدولة المعترف بها هي التي تحدّد انتشار قوّتها العسكريّة، بل تصبح مقتضيات الأمن الإسرائيلي هي التي تحدّد إلى أيّ مدى يمكن التمدّد داخل أراضي الآخرين.

هنا تتجاوز الإشكاليّة الجدل الإسرائيليّ الداخليّ بين أنصار هذه العقيدة ومعارضيها، لتطال دعاة التطبيع وأنصار حروب آخر الزمان على حدّ سواء. المفارقة أنّ إسرائيل التي قدّمت نفسها لعقود بوصفها دولة غربيّة متقدّمة تسعى إلى الاندماج في محيطها اقتصاديّاً، تعود اليوم إلى الدين والقوميّة والتاريخ والجغرافيا لإعادة تعريف هويّتها وأمنها.
في المقابل، راهنت بعض الدول العربيّة على بناء هويّة كوزموبوليتيّة تتجاوز انتماءها الجغرافيّ والتاريخيّ، وعلى أنّ الانفتاح الاقتصاديّ والتحالفات الجديدة، وفي مقدّمها التطبيع مع إسرائيل، تمنحها استقلالاً استراتيجيّاً عن توازنات محيطها الإقليميّ.
لكنّ تجارب السنوات الأخيرة، ولا سيما افتراق المصالح الخليجيّة في اليمن وتعثّر مشاريع إعادة تشكيل توازناته، تكشف حدود هذا الرهان. فالانفتاح على العالم لا يلغي حقائق الجغرافيا، ولا يحرّر الدول من ضرورات التفاهم مع جيرانها الكبار أو التعامل مع القوى المقابلة لها على الضفّة الأخرى من الخليج. وقد تستطيع الدولة تنويع شراكاتها الاقتصاديّة والسياسيّة، لكنّها لا تستطيع نقل موقعها الجغرافيّ أو إعفاء نفسها من تبعات الصراعات التي تدور حولها. والأهمّ أنّ التطبيع مع “إسبرطة العظمى” لا يضمن تجاوز هذه القيود، بل قد يضيف إليها كلفة الانخراط في صراعات إسرائيل وأجندتها الإقليميّة.
حدود التّحالف والتّفاوض والحرب
لم يعد النقاش حول التطبيع مع إسرائيل محصوراً بالمكاسب الاقتصاديّة والسياسيّة التي وعدت بها الاتّفاقات الإبراهيميّة عام 2020. فقد راهنت واشنطن على تحويلها إلى نواة نظام أمنيّ إقليميّ تتكامل فيه القدرات الإسرائيليّة والخليجيّة لاحتواء إيران وتخفيف أعباء الحماية الأميركيّة.
راهنت بعض الدول العربيّة على بناء هويّة كوزموبوليتيّة تتجاوز انتماءها الجغرافيّ والتاريخيّ
في المقابل، رأت بعض الدول العربيّة في التفوّق العسكريّ والتكنولوجيّ الإسرائيليّ فرصة لتعزيز أمنها والحصول على ضمانات أميركيّة أكبر، فيما سعت إسرائيل إلى تحويل الاعتراف بها إلى اصطفاف سياسيّ وأمنيّ خلف أولويّاتها الإقليميّة.
لكنّ الحروب التي أعقبت السابع من أكتوبر، وصولاً إلى الحرب على إيران وتجدّد المواجهة في اليمن، وضعت هذه الحسابات أمام اختبار قاسٍ. فقد أثبتت إسرائيل قدرتها على إلحاق أضرار عسكريّة واسعة بخصومها، لكنّها أظهرت أيضاً حدود القوّة في إنتاج الاستقرار.
في المقابل، كشفت إيران أنّ قدرتها على تهديد جيرانها لا تقتصر على ترسانتها العسكريّة، بل تشمل شبكات مسلّحة قادرة على نقل الحرب إلى أراضيهم ومصالحهم الحيويّة، في تقاطع مصلحيّ، من حيث إضعاف الدول العربيّة، مع العقيدة الإسرائيليّة التي ينسب إليها هايمان صراحة تشجيع زعزعة استقرار هذه الدول وتفكّكها. وهكذا قد تلتقي نتائج المشروعين الإيراني والإسرائيليّ عند إضعاف الدولة العربيّة، رغم تناقض أهدافهما وصراعهما على النفوذ الإقليميّ.
تقاطع في الضّغط على السّعوديّة
تقدّم حرب اليمن الحاليّة نموذجاً صارخاً لهذا التقاطع في الضغط على السعوديّة:
من جهة، تمنح الهجمات الحوثيّة على المطارات والمنشآت النفطيّة السعوديّة، والتهديدات للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إيران ورقة ضغط عسكريّة واقتصاديّة تسعى من خلالها إلى فرض الاعتراف بها قطباً مقرّراً في الأمن الخليجيّ وأمن الممرّات البحريّة.
من جهة مقابلة، تعرض إسرائيل يد المساعدة العسكريّة في مواجهة الحوثيّين، فيما تتجاوز مصالحها المحتملة وقف الصواريخ والمسيّرات إلى فتح باب التطبيع والتغلغل في المنظومة الأمنيّة لشبه الجزيرة العربيّة. فالانتقال من تبادل المعلومات إلى الدفاع الجوّيّ المشترك قد يفتح مستقبلاً الباب أمام وجود عسكريّ إسرائيليّ أكثر تقدّماً، وصولاً إلى ترتيبات انتشار أو قواعد، وهو ما ترفضه المملكة جملة وتفصيلاً.
تتجاوز الإشكاليّة الجدل الإسرائيليّ الداخليّ بين أنصار هذه العقيدة ومعارضيها، لتطال دعاة التطبيع وأنصار حروب آخر الزمان على حدّ سواء
كشفت الأزمة السعوديّة – الإماراتيّة في اليمن، التي بلغت ذروتها أواخر عام 2025 بإعلان أبوظبي سحب قوّاتها الباقية، أنّ السياسات الإقليميّة لا تستطيع تجاهل الاعتبارات الجغرافيّة والأمنيّة للدولة الأكبر المجاورة. فشبكات النفوذ والتحالفات الخارجيّة قد توسّع هامش الحركة، لكنّها لا تلغي حقائق الجوار أو اختلاف المصالح الوطنيّة.
أمّا سوريا فقد اختارت سلطتها الجديدة تجنّب المواجهة العسكريّة المباشرة مقابل الانخراط في مفاوضات أمنيّة مع إسرائيل برعاية أميركيّة، أملاً في وقف الاعتداءات واستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد. لكنّ المفاوضات لم تمنع استمرار الضربات والتوغّلات، ولم تنتج حتّى الآن اتّفاقاً يضمن الانسحاب واحترام السيادة السوريّة.
في لبنان، جُرّب الخياران معاً: “المقاومة” المسلّحة التي خاضت الحرب وانتهت إلى خسارة أراضٍ لم تستطع استعادتها بالقوّة، والمسار التفاوضيّ الذي لم ينجح في تحريرها أو وقف الاعتداءات. حتّى الضمانات الدوليّة التي رافقت ترتيبات وقف الأعمال القتاليّة لم توفّر الحماية المطلوبة، فيما تستعدّ القوّة الدوليّة “اليونيفيل” لمغادرة الجنوب نهائيّاً.
حروب… لإعادة تشكيل المحيط
لا تتساوى هذه التجارب في ظروفها أو أكلافها أو مسؤوليّات أطرافها، لكنّها تكشف حدود الاعتماد على أيّ أداة بمعزل عن ميزان القوّة والضمانات القابلة للتنفيذ. فالتفاوض من دون أوراق ضغط قد يتحوّل إلى إدارة للأمر الواقع، والحرب غير المتكافئة قد تتيح لإسرائيل توسيع سيطرتها الميدانيّة. وهذا تحديداً ما يجعل العقيدة التي يصفها هايمان بالغة الخطورة: فهي لا تتعامل مع الحرب كاستثناء ينبغي أن ينتهي بتسوية، بل كأداة مستمرّة لإعادة تشكيل المحيط، سواء اختار الجيران التفاوض أو المواجهة.
تكشف هذه الحروب حدود الرهان على التطبيع والتكامل الأمنيّ مع إسرائيل باعتبارهما ضمانة لمواجهة إيران. فثمّة فرق بين علاقات دبلوماسيّة واقتصاديّة تحقّق مصالح متبادلة، والانخراط في محور عسكريّ تتطابق فيه الأجندات الخارجيّة، خصوصاً أنّ العقيدة التي يفنّدها هايمان لا توفّر أساساً لشراكة استراتيجيّة متوازنة، بل تنطوي على تصوّر يجعل إضعاف الدول العربيّة وتفكيكها خياراً يخدم الأمن الإسرائيليّ.
- أساس ميديا























