هل ما زالت الشعوب قادرة على صناعة ثوراتها والتحكم بمصائرها، أم أن الثورة في هذا العصر أصبحت مجرد مادة خام تتلقفها القوى الكبرى، فتعيد تشكيلها وتوجيهها وتوظيفها لخدمة مصالحها؟ وهل تستطيع الجماهير، مهما بلغت تضحياتها، أن تنتصر على منظومة عالمية تمتلك الجيوش والأموال والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والإعلام الأخطبوطي وأجهزة الاستخبارات وشبكات النفوذ؟ أم أن الشعوب باتت تشعل الثورات بدمائها، بينما يجلس ضباع العالم خلف الشاشات يتلاعبون بشعوبها ويحددون مساراتها ويقتسمون غنائمها؟
لقد تغير العالم جذرياً، لكن كثيرين ما زالوا يفكرون في الثورات بعقلية القرن الماضي، وكأن إسقاط الحاكم يعني إسقاط النظام، وكأن احتلال الميادين يعني امتلاك القرار، وكأن هتافات الملايين تستطيع وحدها مواجهة إمبراطوريات المال والسلاح والمعلومات. والحقيقة المرعبة أن إسقاط رأس السلطة قد يكون أسهل مراحل الثورة، أما الأصعب فهو منع القوى الداخلية والخارجية من اختطافها وتحويلها إلى مشروع يخدم أعداءها.
انظروا إلى ليبيا. خرج الليبيون عام 2011 ضد حكم القذافي، لكن سرعان ما دخل حلف الناتو على الخط، فتحولت الثورة إلى حرب دولية، ثم سقط النظام لتدخل البلاد في دوامة من الميليشيات والحكومات المتنازعة والتدخلات الأجنبية. أين ذهب حلم الدولة الحرة المستقرة؟ ومن الذي حصد الثمار؟ وهل كان الليبي البسيط الذي خرج مطالباً بالحرية يتصور أن يصبح وطنه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية؟
وانظروا إلى سوريا، حيث بدأت الاحتجاجات بمطالب سياسية، قبل أن تتحول البلاد إلى ميدان تتصارع فيه روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن التنظيمات المسلحة والقوى الإقليمية. وحتى بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، لم تختفِ معضلة التدخلات الخارجية أو التنافس على مستقبل البلاد. لقد دفع السوريون ثمناً بشرياً وعمرانياً هائلاً، بينما ظلت القوى المتدخلة تتعامل مع الجغرافيا السورية بوصفها رقعة شطرنج. فهل يكفي أن يسقط الطاغية إذا بقي الوطن محاصراً بحسابات الآخرين؟
وفي مصر، خرج الملايين عام 2011 مطالبين بالحرية والعدالة والكرامة، وسقط مبارك، لكن المؤسسة العسكرية بقيت القوة الأكثر تنظيماً وقدرة على التحكم بمفاصل الدولة. وبعد سنوات قليلة، عادت السلطة إلى قبضة المؤسسة نفسها بصورة أشد إحكاماً. فهل كانت المشكلة في شجاعة المصريين؟ قطعاً لا. كانت في الفجوة الهائلة بين القدرة على إسقاط الحاكم والقدرة على بناء سلطة بديلة تحمي الثورة من الثورة المضادة.
الثورة في هذا العصر أصبحت مجرد مادة خام تتلقفها القوى الكبرى، فتعيد تشكيلها وتوجيهها وتوظيفها لخدمة مصالحها؟
أما السودان، فقد قدم درساً أكثر مأساوية. أسقطت الانتفاضة الشعبية عمر البشير عام 2019، لكن القوى العسكرية احتفظت بأدوات القوة، وانتهى الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حرب مدمرة منذ 2023، وسط تدخلات ومصالح خارجية متشابكة. خرج السودانيون طلباً لحكم مدني، فإذا ببلادهم تغرق في الدم والنزوح والخراب. أي مفارقة أكثر وحشية من أن يثور الشعب لينتزع وطنه من الاستبداد، ثم يجد وطنه نفسه ممزقاً بين البنادق؟
لكن الخطأ الأكبر أن نستنتج من هذه الكوارث أن كل ثورة مؤامرة أجنبية، أو أن الشعوب مجرد دمى لا إرادة لها. فهذا التفسير المريح يخدم المستبدين أيضاً، لأنه يحوّل كل مطالبة بالحرية إلى تهمة، وكل احتجاج إلى مشروع استخباراتي. ليست كل الثورات صناعة خارجية، لكن كل ثورة عاجزة عن حماية استقلال قرارها معرضة للاختراق والاختطاف داخلياً وخارجياً. والفرق بين الأمرين جوهري.
المشكلة أن أدوات الاختطاف أصبحت اليوم أخطر بما لا يقاس. لم تعد القوى الكبرى بحاجة دائماً إلى إرسال الدبابات لاحتلال العواصم. يكفي أحياناً أن تتحكم بتدفقات المال والسلاح والفصائل الثورية بين قوسين، أو أن تدعم فصيلاً ضد آخر، أو أن تغرق الفضاء الرقمي بالدعاية والتضليل، أو أن تستثمر الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية حتى تتحول الثورة إلى حرب أهلية بين أبنائها. ومع تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات المراقبة والتلاعب بالمعلومات، باتت معركة الوعي والتنظيم لا تقل خطورة عن معركة الشارع، الذي مازال يُقاد في كثير من البلدان كقطيع.
والأدهى أن بعض النخب الثورية تقدم أوطانها على طبق من ذهب للقوى الخارجية، حين تتوهم أن الاستقواء بالأجنبي طريق مختصر إلى النصر. تبدأ الحكاية بطلب الدعم السياسي، ثم تتحول إلى ارتهان مالي وعسكري، وتنتهي بأن يصبح من يفترض أنه حليف الثورة صاحب الكلمة العليا في مستقبلها. وهكذا تستبدل الشعوب مستبداً محلياً بأوصياء دوليين، وتكتشف أن السيادة التي ضحت من أجلها أصبحت سلعة في سوق المساومات.
فهل يعني ذلك أن تتوقف الشعوب عن الثورة وتستسلم للطغيان؟ أبداً. لكنه يعني أن الثورة التي لا تمتلك قيادة مستقلة، ومشروعاً وطنياً جامعاً، وتنظيماً سياسياً قادراً على إدارة المرحلة التالية، ليست بالضرورة طريقاً إلى التحرر، بل قد تصبح بوابة إلى كارثة أكبر. فالغضب وحده لا يبني دولة، والشجاعة وحدها لا تهزم شبكات المصالح، وإسقاط النظام لا يضمن ولادة البديل الأفضل.
لقد أصبح السؤال الأخطر ليس: كيف نُسقط الحاكم؟ بل: كيف نمنع ضباع الداخل والخارج من سرقة البلاد بعد سقوطه؟
فالثورة التي يعرف شعبها كيف يبدأها، ولا يعرف كيف يحميها أو ينهيها لمصلحته الخاصة حصراً، قد تتحول من معركة لتحرير الوطن إلى مأدبة كبرى يتقاسم فيها ذئاب الداخل والخارج الوطن، بينما لا ينال الشعب الذي دفع الدماء، وتعرض لأبشع الكوارث والمعاناة والعذاب، سوى الفاتورة والجنازات والخراب.
٭ كاتب واعلامي سوري
- القدس العربي






















