يعيد الاستثمار الإسرائيلي في أحداث السويداء طرح مسؤولية الحكومة عن معالجة نتائجها. ويحتاج اعتراف السلطة بالوقوع في الفخ إلى مراجعة تحدد المسؤولية عن القرارات التي قادت إلى الكارثة.
أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فتح ملف أحداث السويداء من بوابة الانتخابات، معلناً أنه اتصل بالرئيس السوري أحمد الشرع خلال مجازر تموز/يوليو 2025، فيما نشر الإعلام العبري تفاصيل إنذار وجّهه إليه لسحب القوات السورية من المحافظة. وتزامن ذلك مع تحذيرات أطلقها وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ربط خلالها أمن الدروز ببقاء نتنياهو في الحكم، بينما رفضت دمشق توظيف المكون الدرزي في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية. ويأتي هذا السجال وسط توغلات واعتداءات متواصلة في الجنوب السوري، وعمليات تفجير لمواقع عسكرية سابقة في محيط جبل الشيخ، في وقت تبقى فيه معالجة آثار مجازر السويداء بحاجة إلى مبادرة سياسية تجمع المحاسبة وعودة المهجرين والحوار الأهلي.
وقال نتنياهو، خلال تجمع انتخابي مع أبناء الطائفة الدرزية في يركا يوم الخميس 15 تشرين الأول/أكتوبر، إنه اتصل بالشرع خلال أحداث العام الماضي، واصفاً الحديث بأنه «قصير جداً وحاسم جداً»، ومعتبراً أنه أدى إلى وقف ما وصفه بالمذبحة بحق الدروز. وربط بين الاتصال والغارات التي استهدفت مقر وزارة الدفاع السورية وهدفاً داخل مجمّع القصر الرئاسي في دمشق.
وتعهد بمواصلة العمل لحماية الدروز وإعادة النازحين إلى منازلهم، مشيراً إلى خطوات لا يستطيع الكشف عنها، ووفق تغطيات إعلامية عبرية، جاءت تصريحاته ضمن مساعي حزب الليكود لاستقطاب الناخبين الدروز، وأشارت إلى أن نتنياهو بادر بالاتصال، وأن الحديث جرى بالإنكليزية واستغرق دقائق معدودة.
وأوردت وسائل إعلام عبرية، نقلاً عن القناة، أن محضر المكالمة يندرج ضمن نحو ألف وثيقة بحوزة مراقب الدولة الإسرائيلي، تتعلق بمداولات أمنية وسياسية خلال السنوات الثلاث الماضية. وكانت القناة قد أعلنت عزمها نشر المحضر كاملاً ومواد إضافية يوم الجمعة.
وفي رواية أخرى عن طبيعة الاتصال، نقل إعلام عبري عن مصادر سورية قريبة من القصر الرئاسي ومطلعة على الواقعة أن ممثلاً أمريكياً وآخر لدولة عربية شاركا في المكالمة إلى جانب نتنياهو والشرع، من دون الكشف عن هويتيهما. وتشير هذه الرواية إلى أن الحديث المباشر جرى بمشاركة وسطاء، وهو تفصيل لم يظهر في عرض نتنياهو للمكالمة خلال التجمع الانتخابي.
وفق التغطيات العبرية المنشورة يوم 16 تموز/يوليو، استهدفت ضربة مدخل المقر العسكري قبل الواحدة ظهراً، ثم أعقبتها ضربات أوسع بعد الثالثة عصراً. وفي وقت متأخر من مساء اليوم نفسه، أوردت تلك التغطيات إعلان وزارة الدفاع السورية بدء الانسحاب من مدينة السويداء تنفيذاً للاتفاق. غير أن هذا التسلسل لا يكفي وحده لإثبات أن المكالمة حسمت الانسحاب أو أوقفت العنف، في ظل الوساطات التي كانت تجري بالتوازي.
وجاء الرد السوري من خلال تصريح لمصدر مسؤول في الحكومة نشرته وكالة «سانا»، رفض فيه إقحام الدروز في الدعاية والانتخابات الإسرائيلية، وأكد أنهم جزء أصيل من النسيج الوطني السوري. واتهم المصدر إسرائيل بالتخطيط لزعزعة السلم الأهلي في السويداء خلال تموز/يوليو من العام الماضي، عبر تسليح ميليشيا خارجة عن القانون، بهدف إثارة الفوضى وخلق ذريعة لجر سوريا إلى حرب واسعة.
وقال المصدر إن الحكومة أفشلت تلك المحاولات، مع استمرار مساعٍ إسرائيلية لزعزعة الاستقرار في المحافظة. كما نسب وقف القصف الإسرائيلي آنذاك إلى وساطة أمريكية، معتبراً أن الغارات أعاقت تدخل الحكومة لإنهاء المواجهات بين الدروز والبدو.
وأكد المسؤول استمرار العمل مع أمريكا والأردن لتطبيق خريطة الطريق الثلاثية وإعادة إدماج السويداء وفق رؤية تضمن حقوق السكان وأمنهم، وطالب المجتمع الدولي ودول المنطقة بالضغط على إسرائيل لتطبيق اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 ووقف تدخلها في الشؤون السورية. ومع تركيزه على الدور الأمريكي في وقف الغارات، لم يتضمن البيان نفياً صريحاً لوقوع المكالمة، أو تأكيداً للتفاصيل المنسوبة إلى الطرفين.
وعلى المسار الدبلوماسي، شدد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، خلال جلسة مجلس الأمن حول الوضع في الشرق الأوسط يوم الخميس، على استمرار سريان اتفاق فضّ الاشتباك، مؤكداً أن عدم التوصل إلى اتفاق أمني جديد لا يعفي إسرائيل من التزاماتها. وأوضح أن دمشق أجرت محادثات أمنية مباشرة مع إسرائيل بوساطة أمريكية، وطرحت خلالها شواغلها، وأن هذه الاتصالات لا تلغي الاتفاق القائم.
وحذّر علبي من التوغلات وتجريف الأراضي والتضييق على السكان ومنعهم من الوصول إلى ممتلكاتهم، داعياً إلى خطوات عملية تترجم المواقف الدولية الداعمة لسيادة سوريا ووحدة أراضيها. وجدد موقف دمشق من الجولان السوري المحتل، محذراً من أن مخاطر التصعيد تمتد إلى المنطقة، في وقت تسعى فيه سوريا إلى التعافي وإقامة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل.
ميدانياً، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة في تل الأحمر الغربي، يوم الجمعة 16 تشرين الأول/أكتوبر، النار باتجاه الأراضي الزراعية المحيطة بكودنة في ريف القنيطرة الجنوبي، من دون تسجيل إصابات، بحسب مراسل «سانا»، الذي وصف إطلاق النار بأنه استهدف ترويع المدنيين.
وفي واقعة أخرى، أفاد مراسل الوكالة بأن قوة إسرائيلية تضم عدة آليات توغلت غربي مزرعة الرزانية في ريف القنيطرة الجنوبي، وأطلقت النار باتجاه الرعاة لمنعهم من الرعي، ثم انسحبت من المنطقة، من دون وقوع إصابات.
وتكشف وقائع الأيام الأخيرة عن اتساع التضييق على مصادر رزق السكان وممتلكاتهم. فقد ذكرت «سانا» أن قوة إسرائيلية مؤلفة من ثماني آليات توغلت يوم الأربعاء 14 تشرين الأول/أكتوبر غربي مزرعة الحانوت، وطردت عدداً من الرعاة، وأطلقت الرصاص الحي على صهريج مياه مدني. وفي اليوم نفسه، داهمت دورية إسرائيلية منزلاً في وادي الرقاد بريف درعا الغربي، واحتجزت شباناً داخله قرابة ساعة، واستولت على دراجة نارية، وفق الوكالة.
وشهد الشهر الأخير عمليات تفجير لمواقع عسكرية سابقة في محيط جبل الشيخ، بينها موقع قرب قلعة جندل في ريف دمشق استهدفه تفجير إسرائيلي يوم 20 أيلول/سبتمبر. وقال مصدر محلي في عرنة لـ«القدس العربي» إن القوات الإسرائيلية فجّرت ثكنة عسكرية مهجورة في تل حربون قرب بيت جن.
وتكتسب منطقة قلعة جندل أهميتها من موقعها في محيط جبل الشيخ، حيث تتيح المرتفعات مراقبة التحركات والطرق المحيطة. ويثير تفجير المواقع السابقة، بالتوازي مع شق الطرق وإقامة التحصينات في ريف القنيطرة، تساؤلات بشأن سعي إسرائيل إلى تثبيت وجودها وتقييد عودة القوات السورية.
ويترافق التصعيد الميداني مع توظيف واضح للملف السوري في الحملة الانتخابية الإسرائيلية. ففي التجمع نفسه الذي تحدث خلاله نتنياهو عن اتصاله بالشرع، زعم وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الرئيس السوري جهّز الجيش وقوات الأمن الداخلي والعشائر العربية لاستئناف الهجمات على الدروز، وأنه ينتظر نتيجة الانتخابات ليتحرك إذا لم يُعَد انتخاب نتنياهو. ولم يقدم، وفق التغطية العبرية التي نقلت تصريحاته، أدلة تسند هذه المزاعم.
ويستعيد خطاب كاتس تحذيراته خلال تموز/يوليو 2025، لكنه يربطها هذه المرة بنتيجة الانتخابات، مقدماً بقاء نتنياهو في الحكم ضمانة لأمن الدروز. ويخاطب هذا التوظيف جمهورين معاً: الناخبين الدروز عبر التخويف من تجدد العنف، واليمين المتطرف عبر استعراض القوة واستمرار السيطرة العسكرية في الجنوب السوري.
ويحمل التضييق على السكان وتدمير الممتلكات خطر دفع بعضهم إلى ردود فعل مسلحة، يمكن أن تستثمرها إسرائيل لاحقاً لتبرير استمرار احتلال المنطقة الحدودية أو توسيعه. ويظل هذا أحد مخاطر التصعيد، من دون توافر ما يكفي للجزم بأن استدراج رد مسلح هو الهدف المقرر لهذه العمليات.
على الجانب السوري، يعيد الاستثمار الإسرائيلي في أحداث السويداء طرح مسؤولية الحكومة عن معالجة نتائجها. فبعد نحو خمسة عشر شهراً على المجازر، يحتاج اعتراف السلطة بالوقوع في الفخ إلى مراجعة تحدد المسؤولية عن القرارات التي قادت إلى الكارثة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم ومن أصدروا الأوامر أو تستروا عليها، وإقالة من تثبت مسؤوليتهم من مناصبهم الأمنية والسياسية. ومن شأن اقتران هذه الإجراءات بمبادرة يشارك فيها المتضررون وممثلو المجتمع المحلي أن يخفف الاحتقان ويمنح الأهالي دليلاً على جدية المراجعة.
وتتمثل الأولوية الميدانية في هذا المسار بانسحاب القوات الحكومية والمجموعات المسلحة المرتبطة بها من ريف السويداء الغربي، ضمن ترتيبات تضمن أمن جميع السكان وعودة المهجرين إلى قراهم وممتلكاتهم. ويحتاج ذلك إلى حوار مجتمعي بين الدروز وبدو محافظة السويداء، يشارك فيه ممثلون عن الضحايا والمهجرين والفعاليات الأهلية والوطنية، لمعالجة آثار الاعتداءات والتهجير ورأب الصدع الاجتماعي، ومنع تحميل أي مكون مسؤولية جماعية عن جرائم أفراد أو مجموعات مسلحة.
كما تحتاج المحافظة إلى برنامج معلن لتعويض المتضررين جميعا من الدروز والبدو وإعادة بناء القرى وكشف مصير المحتجزين والمفقودين واستعادة الخدمات والمؤسسات، وفق جدول زمني يمكن للأهالي متابعة تنفيذه. فالتحقيقات القضائية واللقاءات المحلية والإجراءات الإنسانية تحتاج إلى إطار سياسي يجمعها ويضمن استمراريتها.
ويتوقف الحد من قدرة إسرائيل على استثمار جراح السويداء على استعادة الثقة بين السكان والدولة، وبين مكونات المحافظة نفسها. وهذه مهمة تتطلب ضمانات ملموسة للأمن والعدالة والعودة، ودوراً للأهالي في تقرير مستقبل محافظتهم.
- القدس العربي






















