الناصرة – «القدس العربي»: مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، تتجه الأنظار إلى قرى الجولان السوري المحتل، حيث تشهد الشوارع والساحات حضورا متزايدا للحملات الانتخابية، في مشهد غير مألوف يعيد إلى الواجهة مسألة المشاركة السياسية، بعد عقود من المقاطعة الواسعة للانتخابات الإسرائيلية والتمسك بالهوية الوطنية السورية.
ويأتي هذا الحراك وسط جدل داخل المجتمع الدرزي في الجولان بين مؤيدين للمشاركة في الانتخابات ومن بينهم رئيس مجلس عين قنية المحلي، وائل مغربي، المرشّح لانتخابات الكنيست المقبلة ضمن قائمة «إسرائيل أولا»، ومن يسير على نفس الخط السياسي ويرون في الكنيست فرصة لتعزيز التمثيل السياسي والتأثير في القرارات المتعلقة بحياة السكان وقضاياهم اليومية، وبين معارضين يعتبرون المشاركة السياسية والتصويت للأحزاب الإسرائيلية خطوة تمس بالهوية الوطنية السورية، وتتناقض مع الموقف التاريخي الرافض للاعتراف بضم الجولان إلى إسرائيل.
الناشط علي أبو عواد لـ«القدس العربي»: الغالبية الساحقة ترفض المشاركة والضجة الحالية صادرة عن أعداد محدودة والجولان متمسك بهويته وانتمائه العربي والسوري
ويقطن قرى مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنيه نحو 29 ألفا من أبناء المجتمع الدرزي، وفق معطيات سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية.
وعلى مدار عقود، حافظ غالبية السكان على موقف رافض للحصول على الجنسية الإسرائيلية، واكتفوا بوثيقة الإقامة الدائمة، في ظل تمسكهم بالانتماء السوري والروابط الاجتماعية والعائلية مع الجانب السوري من الجولان.
لكن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا في أعداد المتقدمين للحصول على الجنسية الإسرائيلية، ووفق المعطيات ذاتها، ارتفع عدد الحاصلين عليها إلى نحو 6006 أشخاص، أي ما يعادل 20.45% من إجمالي السكان الدروز في الجولان حتى نهاية عام 2024.
وتسارعت هذه التحولات عقب التطورات الأمنية والسياسية في سوريا، ولا سيما سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، والمجازر التي شهدتها محافظة السويداء في تموز/ يوليو 2025، وما رافقها من مخاوف لدى أبناء الطائفة الدرزية بشأن مستقبلهم وأمنهم، الأمر الذي انعكس على مواقف قطاعات من سكان الجولان إزاء مسألة الحصول على الجنسية الإسرائيلية.
وعلى مستوى المشاركة الانتخابية، لا تزال نسبة التصويت محدودة تاريخيا، إذ تشير دراسة أكاديمية تناولت التصويت الدرزي إلى أن نسبة المشاركة بين أبناء الجولان الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية تراوحت في دورات انتخابية سابقة بين 10% و25%، وفي انتخابات عام 2022، لم يتجاوز عدد المصوتين في بقعاثا 75 شخصا.
إلا أن المشهد الحالي يبدو غير مماثل مقارنة بالانتخابات الماضية، وذلك مع انتشار اللافتات الانتخابية في الشوارع والساحات العامة، وزيادة زيارات ممثلي الأحزاب والمرشحين إلى القرى الأربع، إلى جانب احتدام النقاشات المحلية بشأن جدوى المشاركة والخيارات السياسية المطروحة، وسط توقعات بارتفاع نسبة التصويت مقارنة بالدورات السابقة.
وفي حوار حول التطورات الجارية، قال الناشط السياسي والاجتماعي من الجولان، علي أبو عواد لـ»القدس العربي» إن «الغالبية الساحقة من أهالي الجولان ترفض المشاركة في انتخابات الكنيست، والضجة الحالية صادرة عن أعداد محدودة جدا من المصوّتين ولا يعكسون موقف المجتمع الجولاني، الذي ما زال متمسكا بهويته وانتمائه العربي والسوري».
وأضاف أن قرية عين قنية، على سبيل المثال، يبلغ عدد سكانها نحو 1500 نسمة، بينهم أطفال وكبار سن، وحتى لو شارك جميع من يحق لهم التصويت فيها، فلن يكون عدد المصوّتين كافيا للحصول على مقعد في الكنيست، ما يؤكد محدودية هذه الظاهرة.
وأضاف أبو عواد أن «محاولات تضخيم ظاهرة التصويت في الجولان تهدف إلى تشويه سمعة المجتمع الجولاني وإثارة الفتن بين أبناء الطائفة الدرزية ومحيطهم العربي، مستغلّة المكانة السياسية والنضالية التي يتمتع بها الجولان وتاريخه وموقفه من الاحتلال وعلاقته بسوريا، انتماء أهالي الجولان وهويتهم لن يتغيرا، وسيظلان راسخين مهما تبدلت الظروف والمراحل».
وبخصوص الموقف من انتخابات الكنيست والمشاركة فيها، قال أبو عواد «أرفض من حيث المبدأ المشاركة في انتخابات الكنيست، ولا أرى أن محدودية عدد السكان أو أعداد أصحاب الجنسية الإسرائيلية في الجولان تبرر التعامل مع هذه القضية باعتبارها ظاهرة طبيعية، ومن يتجهون للتصويت هم مجموعة محدودة من الأشخاص الذين يسعون إلى تحقيق مكاسب مادية أو الحصول على وظائف ومناصب، من خلال استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية».
وفيما يتعلق باسم حزب المرشح من الجولان والشعار الأساسي الذي يرفعه «إسرائيل أولا» قال أبو عواد إن «رفع شعار «إسرائيل أولا» من قبل جهات تدعو إلى التصويت يعكس توجها سياسيا يتجاوز مجرد المشاركة الانتخابية، ويثير تساؤلات حول هوية هذه الجهات والجهات التي تمثلها والتي لا تحظى بشرعية مجتمعية».
وفي رده على محاولات ربط مشاركة أهالي الجولان بالتصويت للأحزاب اليمينية في الحكومة الإسرائيلية الحالية بحماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا، قال أبو عواد إن «هذا الخطاب لا يجد صدى واسعا في الجولان، وأهالي الجولان يدركون أن ما يجري في سوريا لا ينبغي تحويله إلى ورقة انتخابية».
وأشار أبو عواد إلى أن «المشهد الانتخابي في الجولان لا يعكس وجود أجواء انتخابية فعلية، إذ إن اللافتات والإعلانات محدودة للغاية، ولا تكاد تظهر في المواقع المركزية في القرى».
وبشأن حصول عدد من أبناء الجولان على الجنسية الإسرائيلية، خلال الأعوام الأخيرة، أوضح أبو عواد أن «دوافع الحصول عليها ترتبط في كثير من الحالات بصعوبات الحياة والتنقل والسفر، فضلا عن تراجع الأمل لدى بعض الشباب بإمكانية العودة إلى سوريا في ظل الظروف الراهنة، ومهم التوضيح أن الحصول على الجنسية الإسرائيلية لا يعني بالضرورة التخلي عن الهوية والانتماء».
- القدس العربي

























