أقيمت الدولة الصهيونية على أرض فلسطين بقومياتها وأديانها. وهي دولة استعمارية، إحلالية، وتوسعية، تعدّت فلسطين إلى كل جوارها العربي. ودخلت بعد 7 أكتوبر (2023) مرحلة فرض السيطرة على الدول الوازنة في المنطقة بأكملها؛ هذا ما تسعى إليه، وهذا أصلها وفصلها. ولا يغيّر من هذه الحقيقة تغيّر الحكومات التي تُنتخب فيها؛ فالقضية ليست فقط قضية اليمين الأكثر صهيونية، كما تتوهّم أنظمة عربية وقوى سياسية كثيرة ومثقفون عرب كثر، بل إن ما يعيق هذا التمدّد هو الحركات الوطنية، والنضال متعدّد الأشكال ضد هذه الدولة، نشأة واستمرارية.
ومع تغيّر نظام الحكم في سورية، استغلت الدولة الصهيونية هذا، وعملت على التمدد والتوغل واحتلال مناطق واسعة في جنوب سورية. كما استغلت الانتهاكات والمجازر في السويداء لتزيد من تدخلها وتوسعها، وقصفت منذ عامين كامل البنية التحتية للجيش السوري، وأيضاً مطار أبو الضهور منذ قرابة شهرين، وهو على مسافة 50 كيلومتراً من الحدود التركية. إذن، تريد الدولة الصهيونية فرض سيطرة كاملة على سورية، لتستكمل بذلك “الاتفاقيات الإبراهيمية”، وتضغط على الدول العربية التي تربط اعترافها بها بتشكيل دولة فلسطينية على أراضي 1967. ترفض الدولة الصهيونية هذا جملة وتفصيلاً، وقد دمّرت غزّة بشكل كبير، وتسعى إلى تغيير ديموغرافي في الضفة الغربية، والأمر نفسه يطاول جنوب لبنان وجنوب سورية!
هذه هي الخطة الصهيونية؛ فهل من العقل أن ترى السلطة السورية، التي علّقت على كلام نتنياهو بأنه اتصل بالرئيس أحمد الشرع، وهدده بالانسحاب من السويداء، أن نتنياهو يستغل هذا فقط من أجل الفوز في الانتخابات؟ تكرّر هذه الفكرة شخصيات من السلطة الانتقالية، وهو تبسيط مخلّ لحقيقة الموقف الصهيوني الذي يستدعي تعبئة شعبية سورية وتوضيحاً لمخاطره، التي أصبحت تماثل ما يحصل في الضفة الغربية من تجريف للبساتين، واعتقالات، وتوغلات عسكرية، ومداهمة للقرى والبيوت. كما تشمل التوسّع من جهة الحدود، سيما عبر خط “سوفا 52″، وإنشاء مزارع للأبقار، واستنزاف المياه وسرقتها، ومحاولة استقطاب الأهالي من كل الطوائف، و”قتل” كل روح ثورية رافضة للتوغل، عبر إقامة نقاط طبية، ومحاولة استقدام عمال زراعيين إلى داخل الدولة الصهيونية، وتقديم مساعدات غذائية.
تتجنب السلطة السورية بناء رؤية دقيقة لكامل استراتيجية الدولة الصهيونية داخل سورية، والتي تتكثف بالتوسع في الجنوب، وفرض سيطرة أمنية تشمل السويداء وصولاً إلى دمشق
الاعتراف بالخطر الصهيوني وبأنه يمثل تحدياً حقيقياً، يساعد في صياغة رؤية استراتيجية لكيفية المواجهة. لكن السلطة السورية لا تفكر في هذا، بل تتوهم الدعم الأميركي في إطار حل المشكلات العالقة مع هذه الدولة، سواء ما يخص احتلال الجولان، وقد كرّر ترامب أنه أهداه لهذه الدولة ولمسنا خذلاناً من الشرع تجاه هذه القضية في نيويورك، أو في ما يخص التوغلات التي تلت وصول الشرع إلى السلطة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وأيضاً بما يخص حل التعقيد السوري مع السويداء. هذا خيار غير واقعي تتبناه السلطة لحل هذه الأزمات؛ فالإدارة الأميركية منحازة تماماً للدولة الصهيونية، ودعمها الإدارة السورية لا يعني أبداً دعم سلطة دمشق في ما توهّمته من أنها ستعيد الدولة الصهيونية إلى خط اشتباك عام 1974، أو تساعدها في حل تعقيداتها الداخلية.
لا يكفي صدور بيان مقتضب ورافض من وزارة الخارجية السورية يندّد بالتدخل في الشأن الداخلي، ويؤكد أن الدروز مكون سوري لا يجوز استخدامه في الدعاية الانتخابية. تؤكّد هذه الصياغة أن السلطة السورية تتجنب بناء رؤية دقيقة لكامل استراتيجية الدولة الصهيونية داخل سورية، والتي تتكثف بالتوسع في الجنوب، وفرض سيطرة أمنية تشمل السويداء وصولاً إلى دمشق، ليكون لها دور مركزي في مستقبل البلاد. هذا هو طموح الدولة الصهيونية، وهو ما تفعله عملياً في لبنان وفلسطين. فما العمل إزاء كل هذا التحدّي، في وقت فشل الاعتماد على الإدارة الأميركية، ومع وجود ضعف شديد في الدعم العربي، وعدم جدّية الإدارة التركية في دعم السلطة السورية، حيث كان ردّها باهتاً حين قُصف مطار أبو الضهور؟
مواجهة التحديات السورية، الداخلية والخارجية، تستدعي من السلطة الانتقالية إشراك الشعب، فهو الخيار الوحيد القادر على المواجهة، ولكن هذا يقتضي تغييرات جذرية في سياسات السلطة السورية وعلى المجالات كافة.
مواجهة التحديات السورية، الداخلية والخارجية، تستدعي من السلطة الانتقالية إشراك الشعب
وفي ما يخص السويداء، لا يكفي قول وزير الخارجية، أسعد الشيباني، إن الدروز مكون سوري؛ فهناك انتهاكات ومجازر حدثت ولم تُعالج ومضى عليها أكثر من عام، وهناك تطورات سلبية لدى مؤيدي السلطة وفي السويداء لم يتم الحد منها. لا يستقيم تجاهل تلك الانتهاكات وقيام السلطة بخطوات أحادية، وكأن على أهل السويداء الموافقة المطلقة على ما ترتأيه السلطة لهم! هذا خيار أثبت فشله مراراً وتكراراً، وكانت مقاطعة أغلبية طلاب الجامعات والثانويات والإعداديات في السويداء للامتحانات أكبر دليل على فشل خطوات السلطة.
والقضية لا تقتصر فقط على السويداء وتعقيد العلاقة مع دمشق؛ فالعلاقة بين السلطة والشعب تواجه تعقيدات جمّة في كل مكان. وقد شهدنا، كدليل آخر على الفشل، المظاهرات الضخمة في الحسكة إعلاناً عن خطأ القيام بتسويات فوقية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسلطة. إن التسويات الصحيحة وحل التعقيدات تتطلب إشراكاً حقيقياً للشعب، وهذا ما سيضعف التيارات المتشددة في مكونات السلطة ولدى السوريين كافة.
لقد أصبح تصاعد التذمر المجتمعي واضحاً، وآخر فصوله الاحتجاجات المتعلقة بأراضي الاستملاك، واستمرار السلطة في سياسات التطوير العقاري للعهد البائد ومراسيمه، سيما المرسوم 66. تضاف إلى ذلك المظاهرات الضخمة في الحسكة، والتعقيد المستمر في السويداء. شعبية السلطة في تراجع مطّرد، وحتى أزمة البنزين المغشوش لم تعالجها وزارة الطاقة عبر إحالة الشخصيات النافذة التابعة لها إلى القضاء.
ضم الجولان واقتطاع أجزاء جديدة من سورية وفرض السيطرة عليها خيار استراتيجي دائم للدولة الصهيونية
لم تعد السلطة قادرة على الاستفادة من شرعية كونها “سلطة انتقالية” ووارثة لأزمات كبرى؛ وحتى استثمار اعتقال بعض الشخصيات (مثل معراج أورال/ علي الكيالي) لم يوقف المظاهرات المستمرة لأسباب معيشية وسياسية متعددة في أكثر من محافظة. إذاً، هناك قضايا وطنية تتطلب حلاً جمعياً وإشراكاً للسوريين كمدخل إلزامي لأي حل.
وفي الجنوب، تتبنّى السلطة الخيارين، الدبلوماسي والقانوني، ولقاء ممثلي الدولة الصهيونية لإعادتها إلى خط اشتباك 1974، وقد تبين فشل هذا المسار؛ إذ تحولت أشكال التوغل الصهيوني، والتي زادت عن الألف، إلى ما يشبه فرض الاحتلال المباشر، بينما تبتعد السويداء أكثر فأكثر. بناءً عليه، تبرز ضرورة تنظيم مظاهرات أسبوعية تشمل الجنوب السوري كله بشعارات وطنية مدروسة بدقة، تتجاوز أي شعارات دينية أو الخلط بين الصهيونية واليهودية. وفي ما يخصّ السويداء، صار واضحاً أن إشراك أهلها مفتاح الحل، وليس الاكتفاء بوجود “خريطة طريق” وُقّعت في الأردن بغيابهم؛ وهذا هو المدخل الأساسي لمواجهة التحدي الصهيوني.
لن يتوقف هذا التحدّي، أُعيد انتخاب نتنياهو أو جاء بديل عنه؛ فضم الجولان واقتطاع أجزاء جديدة من سورية وفرض السيطرة عليها خيار استراتيجي دائم للدولة الصهيونية.
- العربي الجديد
























