تتجه الأنظار مجدداً إلى جنوب سورية، مع تصاعد التوغلات الإسرائيلية والتحركات العسكرية في المنطقة، بالتزامن مع تصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك التي نفى فيها وجود دعم أميركي للشيخ حكمت الهجري، أحد المرجعيات الروحية لطائفة الموحدين الدروز (الذي بات يعتبر أن دروز سورية جزء لا يتجزأ من إسرائيل)، محذراً مما وصفه باستغلال الاعتقاد بوجود دعم إسرائيلي وتوافق مع واشنطن لاضطهاد دروز آخرين. وفي وقت أكد فيه أن التوصل إلى تفاهم بين دمشق وتل أبيب لا يزال ممكناً، تتزايد المعلومات المتداولة عن احتمال تحرك عسكري لما تسمى قوات “الحرس الوطني” في ريف السويداء الغربي، وسط اتهامات بوجود دعم إسرائيلي لهذه القوات.
ويوم أمس السبت، توقفت حركة المرور على طريق السويداء ـ دمشق كلياً عقب إغلاق حاجز أم الزيتون التابع لما تُسمّى قوات “الحرس الوطني”، ومنع عبور المدنيين والمسافرين والطلاب، ما أعاق تنقلهم بين المحافظتين، وفقاً لمديرية إعلام السويداء. وقالت مديرية إعلام السويداء إن “المجموعات الخارجة عن القانون على حاجز أم الزيتون تُغلق طريق السويداء ـ دمشق كلياً وتمنع حركة مرور المواطنين”.
إغلاقات متكررة في السويداء
وليست هذه المرة الأولى التي يُغلق فيها الطريق من مجموعات “الحرس الوطني” التي تشكّلت بقيادة الهجري، فقد سبق لهذه المجموعات إغلاق الطريق عند حاجز أم الزيتون في مناسبات عدة، لا سيّما خلال الفترة التي تزامنت مع امتحانات الشهادتَين الثانوية والإعدادية، ما أعاق حركة الطلبة وتنقلهم. ويأتي إغلاق الطريق بالتزامن مع محاولات تسلل واستهداف نفذتها مجموعات “الحرس الوطني” خلال الأيام الماضية في ريف محافظة السويداء الغربي، من دون إحراز أي تقدم يُذكر، وفق المعطيات الواردة. وفي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، سيطرت فصائل تابعة لـ”الحرس الوطني” على قرية وقم في ريف السويداء الغربي، جنوبي سورية، عقب هجوم شنّته انطلاقاً من بلدة عريقة، قبل أن تنسحب من القرية بعد ساعات من السيطرة عليها.
برّاك: بعض الأطراف تستند إلى تصورات عن المساندة الإسرائيلية والأميركية لتعزيز نفوذها في المنطقة
من جهته، نفى المبعوث الأميركي إلى سورية والعراق توم برّاك، أمس، وجود دعم أميركي للهجري، مؤكداً أن الادعاء بوجود دعم خارجي لا يعكس بالضرورة موقف واشنطن، ومشيراً إلى أن بعض الأطراف تستند إلى تصورات عن المساندة الإسرائيلية والأميركية لتعزيز نفوذها في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ أميركية للتوصل إلى تفاهم أمني بين سورية وإسرائيل، تقابلها تحركات إسرائيلية ميدانية ومواقف متشددة بشأن مستقبل الجنوب السوري. وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت، خلال الأيام الأخيرة، عن تعزيزات للقوات الحكومية في محيط السويداء، بالتزامن مع معلومات عن رفع إسرائيل قدرات مجموعات محلية مسلحة، بينها “الحرس الوطني”، من دون أن يعني ذلك تأكيد جميع الروايات المتداولة بشأن خطط عسكرية وشيكة.
ويرى الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية فراس فحام، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تصريحات برّاك تكشف عن تباين في الرؤى بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن سورية. ويقول إن واشنطن لا توافق على دعم إسرائيل مجموعات مسلحة في الجنوب السوري لمواجهة الحكومة، مشيراً إلى أن مصالح الإدارة الأميركية ارتبطت، خلال المرحلة الأخيرة، بالحكومة السورية، بخلاف المقاربة الإسرائيلية التي تسعى إلى فرض واقع أمني جديد في المنطقة.
فراس فحام: واشنطن تتوقع إمكان إبداء إسرائيل مرونة أكبر في هذا الملف بعد الانتخابات الإسرائيلية
ويضيف فحام أن البعد الانتخابي حاضر في الحسابات الإسرائيلية، إذ يسعى نتنياهو إلى استثمار خطاب حماية الدروز في سورية لكسب أصوات الدروز داخل إسرائيل، لكنه يشدد على أن أهداف تل أبيب لا تقتصر على الاعتبارات الانتخابية، بل تشمل أيضاً محاولة فرض وقائع ميدانية قبل الدخول في مفاوضات بشأن اتفاق أمني محتمل مع دمشق.
وبحسب فحام، فإن الولايات المتحدة تدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق أمني بين سورية وإسرائيل، انطلاقاً من رغبتها في تحقيق الاستقرار ومنع عودة الفوضى الأمنية ونشاط تنظيم “داعش” والمليشيات المرتبطة بإيران. ويرى أن واشنطن تتوقع إمكان إبداء إسرائيل مرونة أكبر في هذا الملف بعد الانتخابات الإسرائيلية، فيما تأتي تصريحات برّاك العلنية لتأكيد معارضة الإدارة الأميركية أي تحرك عسكري لـ”الحرس الوطني” ضد الحكومة السورية، وفق المعلومات التي أشار إليها الباحث.
ويشير فحام إلى أن الحسابات الإسرائيلية تتجاوز السويداء نفسها، إذ تسعى إسرائيل، وفق تقديره، إلى توسيع وجودها الأمني وإنشاء نقاط إنذار مبكر قرب الجولان المحتل، بما يتيح لها مراقبة التطورات والاستعداد لأي تهديدات مستقبلية. كما يرى أن تل أبيب تريد الإبقاء على قدرتها على التدخل في الشؤون السورية، خشية أن تؤدي عودة سورية إلى لعب دور إقليمي واقتصادي وجيوسياسي إلى تغيير موازين القوى في المنطقة.
رهانات إسرائيلية وحدود الدعم العسكري
في المقابل، يستبعد المحلل العسكري ضياء القدور أن يكون “الحرس الوطني” قادراً على تغيير الواقع الميداني في جنوب سورية من خلال عملية برّية واسعة، حتى مع افتراض وجود دعم جوي إسرائيلي. ويصف، في حديث لـ”العربي الجديد”، التشكيل بأنه مجموعة من الفصائل والأفراد الذين جمعتهم مصالح ظرفية، معتبراً أن تباين خلفياتهم وأهدافهم يحدّ من قدرتهم على التحرك بوصفهم قوة عسكرية متماسكة.
ضياء القدور: تباين خلفيات عناصر “الحرس الوطني” وأهدافهم يحدّ من قدرتهم على التحرك بوصفهم قوة عسكرية متماسكة
ويقول القدور إن الدعم الإسرائيلي المحتمل لهذه المجموعات تحكمه، في تقديره، حسابات المصالح الإسرائيلية، وليس التزاماً ثابتاً تجاهها. ويضيف أن إسرائيل قد تستثمر في هذه القوى لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، لكنها قد تتخلى عنها إذا توصلت إلى تفاهمات مع الحكومة السورية تحقق مصالحها.
ويستشهد القدور بتجربة “جيش لبنان الجنوبي”، المعروف أيضاً بجيش لحد، معتبراً أنها تقدم مثالاً على حدود الرهان على الدعم الإسرائيلي؛ إذ يشير إلى تخلي إسرائيل عن هذا التشكيل بعد انسحابها من جنوب لبنان عام 2000. ويرى أن هذا الاحتمال ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم رهانات القوى المحلية في السويداء على المساندة الإسرائيلية.
ولا ينفي القدور احتمال وجود دعم عسكري إسرائيلي، لكنه يشكك في قدرة “الحرس الوطني” على تحويله إلى إنجاز ميداني حاسم. كما يلفت إلى أن العلاقة بين الأطراف المنضوية فيه ليست بالضرورة قائمة على مشروع عسكري موحد، مشيراً إلى أن بعض الأفراد قد تكون لديهم دوافع تتعلق بمصالحهم الشخصية أو بتجنب الملاحقة القضائية، وهي تقديرات يطرحها المحلل بشأن طبيعة التشكيل وخلفيات بعض أفراده.
ويضيف أن إسرائيل، وفق قراءته، تتعامل مع هذه المجموعات من منطلق الاستثمار في أوراق الضغط المتاحة بما يخدم مصالحها السياسية والأمنية. ويربط القدور جزءاً من هذا الاستثمار بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية، معتبراً أن خطاب حماية الدروز يمكن أن يؤدي دوراً في استقطاب أصوات داخل إسرائيل، لكنه لا يشكل، برأيه، ضمانة لاستمرار الدعم في حال تغيرت الأولويات الإسرائيلية.
وكان برّاك قد ربط، في تصريحاته، بين المنطقة الممتدة من السويداء إلى درعا وتجارة الكبتاغون، قائلاً إن عائداتها تتيح لبعض الدروز تمويل تسليح أنفسهم، لكنه لم يؤكد صحة التقارير المتعلقة بتسليح إسرائيل مجموعات درزية في السويداء، بل وصفها بأنها غير مؤكدة، مع الإشارة إلى إمكانية نقل الأسلحة عبر الحدود.
ويعكس هذا التباين بين المقاربة الأميركية والإسرائيلية، بحسب فحام، اختلافاً في الأولويات: فواشنطن تريد تثبيت الاستقرار ودفع دمشق وتل أبيب نحو تفاهم أمني، بينما تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بهامش واسع للتحرك العسكري والأمني داخل سورية. ومن شأن استمرار التوغلات وتعزيز نفوذ القوى المسلحة المحلية أن يزيد صعوبة التوصل إلى تفاهم، خصوصاً إذا تحولت التحركات الميدانية إلى مواجهات مباشرة، وفق رأيه.
وفي ظلّ المعلومات المتداولة عن احتمال تحرك “الحرس الوطني” في ريف السويداء الغربي، تبقى طبيعة الخطوة المقبلة ومدى ارتباطها بدعم إسرائيلي مسألتين تحتاجان إلى مزيد من التحقق. لكن استمرار التصعيد يضع الجنوب السوري أمام مسارين متعارضين: مسار تفاوضي تسعى واشنطن إلى دفعه، وآخر ميداني قد يؤدي، إذا اتسع، إلى تعقيد العلاقة بين دمشق وتل أبيب وإعادة فتح ملف السيطرة الأمنية على السويداء ومحيطها.
- العربي الجديد
























