لم يعد ملف العلاقة بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) خلافاً سياسياً قابلاً للاحتواء بإدارة الوقت أو بالمفاوضات المفتوحة. فما يتكشف اليوم هو مسار انحداريّ يتحرّك بثبات من منطق التسويات المؤجَّلة نحو لحظة اختبار حادّة تتقلّص فيها المساحات الرمادية، ويغدو القرار مكلفاً مهما كان اتجاهه. فاقتراب نهاية مهلة تطبيق اتفاق آذار، من دون أي تقدّم فعلي في التنفيذ، تحوّل إلى عامل ضغط استراتيجي يفرض إعادة تقييم شاملة للخيارات الممكنة، ولم يعد مجرد تفصيلٍ إجرائي.
منذ البداية، تعاملت دمشق مع الاتفاق بوصفه إطاراً انتقالياً يفتح باب الدمج التدريجي، وليس كحلٍّ يكرّس واقعاً موازياً للدولة. وقد قدّمت الدولة السورية ضمانات سياسية وإدارية واسعة، وقبلت بمستويات غير مسبوقة من اللامركزية الخدمية، وتجنّبت بعناية أي سلوك يمكن أن يُفسَّر كاستفزاز عسكري، إدراكاً لحساسية الجغرافيا وتشابك الفاعلين الدوليين والإقليميين. غير أن هذا النهج الحذر قوبل من طرف قسد بمنطق معاكس، تمثّل في تعليق التنفيذ، ورفع سقف المطالب، وتحويل الاتفاق من جسر نحو الدولة إلى أداة لإدامة وضعٍ استثنائي يصعب تبريره سيادياً.
ومع مرور الوقت، بدأ التباين بين الطرفين يأخذ أبعاداً سياسية أكثر خطورة، ولم يعد يقتصر على الخلاف حول تعريف “الاندماج”. إذ انخرطت قسد في ممارسات بات من الصعب الدفاع عنها سياسياً، من بينها التنسيق المعلن أو الضمني، بل والتحريضي أحياناً، مع مجموعات انفصالية في السويداء والساحل السوري. ومثل هذه السلوكيات لا تُقرأ بوصفها ضغطاً تفاوضياً مشروعاً، أو مجرد رسائل سياسية رمزية. على العكس، تبدو هذه الممارسات رسائلَ تفكيكٍ لوحدة المجال الوطني، وتوسيعٍ متعمّد لخرائط التوتر الأهلي، بما يتجاوز أي نقاش حول الحقوق الإدارية أو الترتيبات الأمنية، ويدخل مباشرةً في خانة تهديد السلم الأهلي وتفجير الهشاشة الاجتماعية في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
ازدادت خطورة هذا المسار مع انتقاله من المجال السياسي إلى التصعيد الميداني المباشر. فالقصف الذي طال أحياء سكنية في حلب، وسقوط ضحايا مدنيين، لا يمكن تفسيره كحادثة معزولة أو “خطأ ميداني”. إذ جاء، في الحقيقة، كرسالة سياسية خشنة في توقيت بالغ الدلالة، تزامنت مع زيارة وفد تركي سياسي–عسكري–أمني رفيع المستوى إلى دمشق، وفي لحظة يُلوَّح فيها علناً بأن خيار الحسم لم يعد مستبعداً. وبهذا المعنى، لم تكتفِ قسد برفع سقف شروطها التفاوضية، وإنما انتقلت إلى رفع كلفة الاستقرار نفسه، مستخدمة أدوات ميدانية تضعها في مواجهة مباشرة مع المزاج العام السوري.
هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع. فتركيا، التي تنظر إلى البنية العسكرية لقسد باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، لم تُخفِ استعدادها للذهاب إلى خيارات صلبة إذا فشلت المسارات السياسية. ورغم أن دمشق ما تزال ترى في الحل العسكري خياراً بالغ الكلفة وتسعى بكل أدواتها لتجنّبه، فإن استمرار الاستفزازات، سواء عبر القصف أو عبر اللعب على خطوط الانقسام الأهلي، يضيّق هامش المناورة ويضع الدولة أمام ضغوط داخلية وخارجية لا يمكن تجاهلها إلى ما لا نهاية.
في هذا المشهد، لم يعد الموقف الأميركي قابلاً للاختباء خلف منطق “إدارة التناقضات”. فالولايات المتحدة، التي تكرّر تأكيدها اللفظي على ضرورة اندماج قسد في الدولة السورية ورفضها لأي مشاريع انفصالية، تواجه اليوم استحقاقاً سياسياً واستراتيجياً لا يمكن تأجيله من دون كلفة. إذ إن الغموض الأميركي، أو الاكتفاء بلعب دور الموازن بين الأطراف، تحوّل عملياً إلى عامل تعطيلٍ لمسار الحل، وإلى مظلّة سلبية تشجّع قسد على اختبار الخطوط الحمراء ورفع كلفة الانتظار على الجميع.
الأهم أن هذا التردد يتناقض بنيوياً مع الرؤية الاستراتيجية التي يطرحها الرئيس ترامب لمستقبل المنطقة، والقائمة على تقليص بؤر الاستنزاف وإعادة تعريف التحالفات على أساس الدولة الوطنية المستقرة، لا الكيانات الهجينة أو الترتيبات المؤقتة. فالإبقاء على وضع رمادي في الجزيرة السورية، تُمسك فيه قوة محلية بسلاح خارج الدولة وتنسّق سياسياً مع مشاريع تفكيكية داخلية، لا يخدم الاستقرار الإقليمي ولا ينسجم مع منطق إعادة ترتيب الشرق الأوسط بتكاليف أقلّ على الولايات المتحدة.
من هنا، يصبح حسم الموقف الأميركي ضرورةً لا خياراً. فإما أن تُترجم واشنطن خطابها عن الاندماج إلى ضغط سياسي فعلي وآليات إلزامية واضحة تنهي وهم الوقت المفتوح، أو أن تجد نفسها لاحقاً أمام انفجارات لا تملك القدرة على التحكم بمساراتها. وكل مايفعله تعطيل الحسم اليوم هو تأجيل الصدام إلى لحظة أكثر عنفاً وأقل قابليةً للاحتواء، وليس منعه.
ومع كل حادثة من نوع ما جرى في حلب، تتآكل فرص السيناريوهات الوسطية. فالدمج المرحلي لا يمكن أن ينجح مع طرف يوسّع جبهات التوتر ويتقاطع مع مشاريع تفكيكية، وتجميد الصراع يصبح وهماً حين تتحوّل الرسائل النارية والسياسية إلى نمط متكرر. وحتى صفقات الأمن الحدودي تفقد معناها إذا لم تترافق مع قطيعةٍ واضحة مع أي سلوك يضرب وحدة البلاد أو يحرّض مكوّناتها بعضها على بعض.
في ظل هذا التراكم، يبرز سيناريو ممكن وأخير أقرب إلى كونه مساراً تفرضه الوقائع بدل كونه خياراً سياسياً مفتعلاً. فهو لا يقوم على انسحاب أميركي فجائي، وإنما على بدء مسار تآكل تدريجي للمظلّة السياسية والأمنية التي وفّرت لقسد هامش الحركة خلال السنوات الماضية. بحيث تتم مراجعة الحماسة السياسية للدفاع عنها، ثم تشديد غير معلن لشروط الدعم، ثم الامتناع عن لعب دور الضامن لتداعيات التصعيد. عندها لا تكون المظلّة قد رُفعت رسمياً، لكنها تكون قد فقدت وظيفتها العملية.
وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، تتغيّر معادلة الخيارات أمام قسد جذرياً. فبدلاً من التفاوض من موقع “الشريك المحمي”، تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: فإما القبول بالاندماج الفعلي بشروط الدولة السورية، بما يعنيه ذلك من وحدة القرار العسكري والتخلي عن أي دور سيادي مستقل، أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع بيئة إقليمية ودولية لم تعد ترى مصلحة في حمايتها. وهنا يتحوّل الضغط من كونه سياسياً قابلاً للمناورة إلى ضغطٍ بنيوي لا يمكن تفاديه.
لهذا، فإن النافذة المتبقية للحل ليست مفتوحةً إلى ما لا نهاية. فكل يومِ تأخير، وكل تصعيدٍ ميداني أو سياسي، يُضيّق هامش المناورة ويدفع المسار خطوةً إضافية نحو لحظة الانكشاف الكامل. وعندما تصل السياسة إلى هذه النقطة، فإن الأسئلة تصبح عن “أقل الحلول كلفةً”، وليس عن “أفضل الحلول”. وحين تُكسر المظلّات في العلاقات الدولية، فإنها لا تعود بسهولة، وغالباً ما يدفع ثمن ذلك من ظنّ أنها وُجدت لتحميه إلى أبد الآبدين.
- الثورة السورية



























