بينما كان الجيش الأردني يواصل رصد محاولات تسلل المخدرات وتهريبها بهدف تعقبها عبر الحدود الشمالية منذ مساء الثلاثاء، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن توقيف أحد المتورطين بعمليات التهريب إلى الأردن عبر “بالونات مهيأة جواً”، في مشهد يعكس تنامي تهديد “الجريمة المنظمة الجوية”، وتحول مسرح المواجهة من الأرض إلى السماء. وفي بيانين صدرا بالتزامن من عمان ودمشق، تتكشّف أبعاد جديدة للحرب على المخدرات، التي باتت أدواتها لا تقتصر على المهرّبين التقليديين، بل تشمل تقنيات متطورة كالطائرات المسيّرة، والبالونات اللاسلكية، والمقذوفات الذكية، ما يرفع منسوب التهديد ويجعل الحرب مفتوحة وذات طابع إقليمي.
هكذا، تبدو الحرب الأردنية– السورية على المخدرات قد دخلت طوراً جديداً أكثر تعقيداً، في ظل تصعيد أمني على الحدود، وضغوط داخلية ودولية على دمشق لوقف نزيف التهريب. وبينما تتحرك عمان دفاعاً عن أمنها، تؤكّد دمشق أنّها بصدد تفكيك ما تبقى من “اقتصاد الكبتاغون”، وإنهاء ما وُصف بـ”الورم الأمني الأخطر” على حدود البلدين.
اشتباكات على الحدود وبيانان من الأردن وسورية
أعلنت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، أن فرع مكافحة المخدرات في البادية تمكن من إلقاء القبض على “م.ر” لتورطه في تهريب مواد مخدرة إلى الأردن، مستخدماً بالونات مهيأة للتهريب جوّاً. وأسفرت عملية المراقبة والتحقيق الميداني عن ضبط المتهم وبحوزته بالونات معدّة للتهريب، إلى جانب بطاريات وأجهزة لاسلكية تُستخدم في هذه العمليات. بالتزامن مع ذلك، أعلنت القوات المسلحة الأردنية، في بيان، أنها “حيّدت” عدداً من تجار الأسلحة والمخدرات الذين ينشطون عند الواجهة الحدودية الشمالية الأردنية، كما استهدفت مصانع ومعامل ودمّرت مواقع ذات صلة، مستندة إلى معلومات استخبارية دقيقة، و”بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين”، دون أن يوضح هوية هؤلاء الشركاء
ومنذ سنوات طويلة، يخوض الأردن معركة شرسة على حدوده الشرقية والشمالية مع شبكات تهريب المخدرات في سورية، والتي باتت تستخدم وسائل تكنولوجية متطورة تُخرج الحرب من الطابع التقليدي إلى مشهد أقرب لـ”حرب عابرة للحدود”، تقودها طائرات مسيّرة، ومناطيد، وحتى مقذوفات بلاستيكية، في مشهد يعكس تطور أساليب الجريمة المنظمة وتشابك أبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية.
العصابات لا تزال ناشطة
ورغم إعلان الإدارة السورية الجديدة عن التزامها بمكافحة تجارة المخدرات، وإعلانها عن تفكيك مخابئ ومصانع كانت تابعة للنظام المخلوع ومتورطة في إنتاج المواد المخدرة وتخزينها، فإنّ تهريب المخدّرات عبر الحدود السورية الأردنية لا يزال نشطاً، إذ لا تزال عصابات فردية منظمة تنشط في مناطق خارجة عن السيطرة الكاملة، وتستغل التوترات الأمنية المستمرة في الجنوب السوري لمواصلة عمليات التهريب. وتشير تقارير ميدانية إلى أن هذه الشبكات، ورغم تفكك الهياكل الرسمية التي كانت تدير عمليات التهريب سابقاً، لا تزال تعتمد على المسيرات والطائرات منخفضة الارتفاع لتهريب شحنات صغيرة الحجم، لكنها مرتفعة القيمة والتأثير.
ويرى مراقبون أن القضاء على هذه البؤر بالكامل يتطلب تنسيقاً استخبارياً فاعلاً بين عمّان ودمشق، مدعوماً بتعاون إقليمي أوسع، خصوصاً في ظل استمرار بعض الجهات المستفيدة من هذه التجارة بالعمل تحت غطاء عشائري أو مناطقي، وبعيدًا عن رقابة الدولة المباشرة.
أكثر من 300 طائرة مسيّرة في 6 أشهر
وتكشف الإحصائيات الرسمية الأردنية، والتي اطلع عليها “العربي الجديد”، عن حجم غير مسبوق من التهديد. ففي الفترة ما بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز 2025، أسقط الجيش الأردني 310 طائرات درون محملة بالمخدرات، بمعدل طائرتين يومياً، كما تمكنت الأجهزة الأمنية من إحباط تهريب أكثر من 14 مليون حبة مخدرة، و92 كيلوغراماً من المواد المخدرة الأخرى، إلى جانب أكثر من 10 آلاف كف حشيش، فضلاً عن ضبط 69 محاولة تهريب وتسلسل، شملت 84 قطعة سلاح. وتُعلن المنطقة العسكرية الجنوبية باستمرار عن إسقاط طائرات مسيرة تحمل شحنات من المواد المخدرة، فيما تكشف المنطقة الشرقية بين الفينة والأخرى عن إحباط محاولات مستمرة لتهريب المخدرات عبر بالونات بدائية موجهة، جرى التعامل معها ميدانياً.
أما عام 2024، فبلغ عدد محاولات (التسلل والتهريب) 121 محاولة، التهريب 72 والتسلل 119، والتهريب عبر المسيّرات 519. أما البالونات والمقذوفات فظهرت حديثا خلال العام 2025، وذلك وفق أرقام صادرة عن الجيش الأردني. ووفق الإحصائية، بلغ عدد الأسلحة المضبوطة 71، والحشيش المضبوط 14633، والحبوب المخدرة 3,254,166 حبة، في عام 2024. وتظهر الإحصائية، استحداث المهربين في العام 2025 البالونات الموجهة والمقذوفات بوصفها أساليب جديدة للتهريب.
سورية.. المصدر الأول
رغم تفاوت واجهات التهريب، تشير بيانات الجيش الأردني إلى أن أغلب البالونات والمناطيد المحملة بالمخدرات مصدرها الأراضي السورية، لا سيما بعد تفكك مؤسسات الدولة وتراجع السيطرة الأمنية عقب اندلاع الأزمة السورية في 2011. ويوضح الخبير الأمني والعميد الأردني المتقاعد فايز شبيكات الدعجة لـ”العربي الجديد” أن الطائرات المسيّرة أصبحت أدوات تهريب فعالة، “تعتمد على أنظمة GPS وتقنيات استشعار متقدمة، وتعمل ببرمجيات ذاتية، تتيح لها تجاوز الرادارات والطيران على ارتفاع منخفض”. ويضيف أن بعض هذه الطائرات قادرة على التحليق لمسافة تصل إلى 3 آلاف كيلومتر، وبارتفاع يصل إلى 45 ألف قدم، وبسرعة 240 كلم/ساعة، ما يجعل رصدها عملية معقدة تتطلب تجهيزات متقدمة وتنسيقًا مشتركًا. ووفق ما رصده “العربي الجديد”، فإن المواد التي يجري تهريبها باستخدام المسيّرات تتنوع، لكن الكريستال والكبتاغون والحشيش هي المواد الأكثر شيوعًا. والكريستال المخدر تحديداً يُعد الخيار المفضل لشبكات التهريب، نظراً لارتفاع سعره وصغر حجم حصصه، ما يجعله سهل النقل ويحقق أرباحاً ضخمة في السوق السوداء.
من الدولة إلى “شركة تهريب”
يشير العكايلة إلى أن ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد، تعامل مع مؤسسات الدولة على أنها شركة خاصة لإنتاج المخدرات وتصديرها، حيث تولت الفرقة الرابعة التي يرأسها مسؤولية العمليات اللوجستية، كما تورط في الشبكات ابن خال بشار والشخصية الاقتصادية السورية الأبرز على مدار فترة طويلة من حكمه، رامي مخلوف، وابن عمه سامر الأسد، وابن عمه الآخر وسيم الأسد، إلى جانب أجهزة مثل المخابرات الجوية والحرس الجمهوري وفرع 215. ومن أبرز وسائل التهريب التي استُخدمت، وفق العكايلة، المسيرات والطائرات، والحمام الزاجل، والحيوانات المدربة، وعمليات تسلل مباشرة في ظروف مناخية صعبة، ما يوضح حجم التنوع والتخطيط العالي لهذه الشبكات.
وتبقى الحرب ضد “المخدرات الطائرة” أحد أكثر التحديات الأمنية تعقيداً في المنطقة العربية، وتشكل اختباراً دائماً لقدرة الدول على حماية سيادتها ومجتمعاتها في وجه الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
- العربي الجديد


























