بعد عام على انهيار نظام الأسد، تراجع بشار الأسد نفسه عن المشهد السياسي السوري بطريقة لافتة، ليس بسبب الغموض، بل بسبب الوضوح. فالتقارير حول حياته في موسكو تُظهر رجلاً تتمحور أولوياته حول الأمن الشخصي، والعزلة، والراحة، لا حول استعادة السلطة. يخضع الأسد لإشراف روسي صارم، وتُقيَّد حركته، ويُمنع من الظهور العلني، وهو منفصل عن أي بنية قيادة أو شبكة نفوذ مرئية.
هذه ليست صورة زعيم يخطط للعودة، بل صورة «أصل» سياسي قامت روسيا بإركانه، وتحييده، وتجريده من الفاعلية.
تاريخياً، يعمل القادة المنفيون الذين ينوون العودة على بناء حضور إعلامي، وشبكات سياسية، ورواية مظلومية أو شرعية منقوصة.
الأسد لم يفعل شيئاً من ذلك. صمته ليس غموضاً استراتيجياً، بل تهميشاً مفروضاً عليه.
تفكك الدائرة الضيقة: سقوط اجتماعي ومؤسساتي
تعزّز حالة التشتت داخل الدائرة الضيقة للأسد هذا التقدير. فوفقاً لتقرير نيويورك تايمز، توزّع كبار مسؤولي النظام السابق بين روسيا ودول الخليج وسوريا نفسها، معتمدين على رعايات فردية ظرفية، لا على تخطيط منسق.
لا توجد كتلة موالية موحّدة، ولا حكومة في المنفى، ولا أي جهد حقيقي لإعادة إنتاج شرعية سياسية.
حتى الدعم المالي الانتقائي الذي يقدّمه ماهر الأسد لبعض الضباط السابقين يبدو ذا طابع شخصي أكثر منه تنظيمياً؛ فهو يحافظ على ولاءات هامشية، لكنه لا يعيد بناء بنية قيادة أو سيطرة. كما أن لامبالاة الأسد تجاه مساعديه القدامى توحي بأن الحفاظ على شبكات النظام لم يعد أولوية.
بالمعنى العملي، سقط النظام ليس عسكرياً فقط، بل اجتماعياً ومؤسساتياً أيضاً.
الأسد الغائب… حاضر كأداة شرعنة
ومع ذلك، فإن غياب الأسد لم يقلل من فائدته السياسية داخل سوريا. على العكس، تحوّل سقوطه إلى الأسطورة المؤسسة لشرعية الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع.
لا يُستحضر الأسد كتهديد عائد، بل كتحذير دائم. فالسردية الرسمية تقدّم الحكومة بوصفها القوة التي أنقذت سوريا من الخراب الشامل، ويُستخدم الأسد كنقيض مطلق تُقاس عليه كل سلطة قائمة.
وبذلك، لا تُبنى الشرعية على الرضى الشعبي، بل على المقارنة. فالرسالة الأساسية هي أن الشرعية تنبع من إسقاط الأسد، لا من طبيعة ما جرى بناؤه بعده.
«الشرعية السلبية» وتآكل المساءلة
لهذا المنطق عواقب عميقة. فحين تُعرّف الحكومة نفسها أساساً في مواجهة الأسد، ينخفض معيار الحكم المقبول.
سياسات كانت ستواجه تدقيقاً واسعاً تُبرَّر باعتبارها إجراءات «استقرار». تقييد التعددية السياسية، تأجيل الانتخابات، تركيز السلطة… كلها تُقدَّم كضمانات مؤقتة ضد الفوضى أو «الثورة المضادة».
هنا تتحول ذاكرة الأسد إلى أداة انضباط نفسي: التشكيك في النظام الجديد يُصوَّر كتهديد بفتح أبواب الماضي. وهذا خطاب شديد الفاعلية في مجتمع مثقل بذاكرة القمع والحرب.
ائتلاف الحكم والفصائل المسلحة
تزداد أهمية هذا الخطاب بالنظر إلى طبيعة الائتلاف الحاكم، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على فصائل مسلحة ذات خلفيات متطرفة، كانت ستعاني من أزمة شرعية في أي تنافس سياسي طبيعي.
عبر تضخيم صورة الأسد كـ«شر مطلق»، يُعاد تقديم هذه القوى بوصفها حماة ضروريين للثورة، وتُعاد صياغة تشددها الإيديولوجي وسلوكها القسري باعتباره «يقظة ثورية» لا تسلطاً.
وهذا يهمّش الفاعلين المدنيين ويقوّض أي أفق لسياسة جامعة.
خطاب مطلق وتأجيل العدالة الانتقالية
مع مرور الوقت، بات الخطاب الرسمي أكثر إطلاقية. طغت لغة «الوحدة» و«النقاء» و«التهديد الوجودي» على خطاب العدالة الانتقالية والمصالحة.
يُقدَّم عهد الأسد ككارثة أخلاقية فريدة، من دون التزام موازٍ ببناء ضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الاستبداد بأسماء جديدة.
هكذا، يسمح التركيز على الأسد للقيادة بالاحتكار الحصري لمعنى «الإنقاذ الوطني»، من دون مساءلة ذاتية.
المركزية، الأقليات، وتكرار منطق النظام السابق
يتجلى هذا بوضوح في مقاربة اللامركزية وحقوق الأقليات. فالمطالب الكردية بالحكم الذاتي، وضمانات الأقليات الأخرى، تُصوَّر كمشاريع تقسيمية تشبه – وفق السردية الرسمية – الفوضى التي كان الأسد يمنعها.
تُقدَّم المركزية كضرورة ثورية لا كخيار سياسي. والمفارقة أن هذا يعكس أحد أهم مبررات نظام الأسد نفسه: أن الدولة المركزية القوية وحدها تحمي وحدة سوريا.
الاختلاف هنا خطابي لا بنيوي.
روسيا: إدانة أخلاقية وتعاون عملي
تعقّد العلاقة مع روسيا هذا المشهد. فبينما يعيش الأسد تحت الحماية الروسية، تنفتح الحكومة الانتقالية على موسكو ببراغماتية.
تُدان روسيا داخلياً باعتبارها داعمة للأسد، لكنها تُقبل دولياً كشريك ضروري لإعادة الإعمار والاعتراف.
هكذا يصبح وجود الأسد في موسكو أداة رمزية لا عائقاً دبلوماسياً.
فزّاعة مريحة بدل عدالة حقيقية
تُسهم حياة الأسد المترفة في المنفى في تعزيز صورته كشرير أفلت من العقاب، لكنها في الوقت ذاته تُجمّد العدالة في الماضي.
يُختزل الظلم في شخص بعيد، فيما تصبح الانتهاكات الحالية مسألة ثانوية.
الخطر هنا تراكمي: فكلما تحوّل الأسد من فاعل إلى رمز، صار درعاً خطابياً يحمي سلطة جديدة من المساءلة. يمكن للحكومة أن تحكم إلى أجل غير مسمى طالما أنها «ليست الأسد».
الأسد كتنين: قراءة عبر مسرحية التنين
تقدّم مسرحية يفغيني شوارتز التنين عدسة تفسيرية مفيدة. ففي العمل، يُقتل الطاغية، لكن المجتمع يعجز عن تخيّل الحياة من دونه. السلطة لا تختفي، بل تغيّر شكلها وتزداد شراسة لأنها تدّعي أنها «حرّرت» المجتمع.
في سوريا، لا يُتعامل مع سقوط الأسد كبداية لفضاء سياسي جديد، بل كذريعة لتأجيله. تُستخدم المخاوف من الفوضى والارتداد لتبرير سلطة مفتوحة زمنياً.
الخلاصة: الخطر ليس عودة الأسد بل استمراره كذاكرة
لا مؤشرات جدية على أن الأسد يخطط للعودة. لكن خطره الحقيقي يكمن في تحوله إلى فزّاعة سياسية مريحة.
هو لم يعد يهدد سوريا كحاكم، بل كذكرى تُستَخدم لتبرير تضييق السياسة، وتأجيل المشاركة، وترسيخ الخوف المُدار.
في التنين، تفشل عملية التحرير لا لأن الوحش نجا، بل لأن المجتمع لم يتعلم كيف يعيش من دونه.
وهذا هو الخطر الحقيقي في سوريا اليوم.
- مجهر


























