الحركات الاحتجاجية وانتفاضات الطلاب في أكثر من دولة، خصوصاً الانتفاضات الحالية في دول أوروبية عديدة، تجعلنا نتساءل: هل طوّر الشباب في العالم أشكالاً جديدة من النشاط، أو الانشغال، السياسي تتجاوز المؤسّسات التقليدية، لأنها تُعدّ غير فعالة أو لأنها غير مفتوحة بما فيه الكفاية؟
ولد جيل Z الذي يحدّده علماء الاجتماع بأنه يضم مواليد المرحلة ما بين 1997 و2010 على صدى الأزمات العالمية، بدءاً من أزمة 2008 التي لم ينهض منها العالم كما ينبغي، وإنما تمادت بأزمات أخرى، إلى أزمة كوفيد في عام 2020 وانعكاسها على اقتصادات العالم، ثم الحروب التي يشهدها العالم، وأهمّها الروسية الأوكرانية ومن بعدها الأميركية على إيران، وما نجم عنها من توترات في الإقليم، وتحكّم بالمضائق والممرّات المائية في المنطقة، جعل العالم يرزح تحت ضغط القلق والخوف من المستقبل وضبابيته في ظل تمادي الأزمات في العالم. كما إنه يُعدّ الجيل الأول الذي لم يعرف عالماً من دون “رقمنة”. بل إنه الجيل المولود مع الرقمنة التي باتت بمثابة ألف باء تعاطيه مع الحياة، وتلقّف الذكاء الاصطناعي. لعبت المنصّات الإلكترونية، وتلعب، دوراً مركزياً في تعبئة (وتنظيم) هذه الحركات الاحتجاجية، التي تطورت خارج الأحزاب السياسية والمنظمات التقليدية. إنه جيل يعيد تشكيل نفسه بلا نهاية ويتساءل باستمرار عن تنظيم هوياته الرقمية والحقيقية المتعددة، من دون أن يستبعد أحدها الآخر.
إذا كان عام 2010 بداية انطلاق حراكات ما سمّي الربيع العربي، وقاده في الغالبية جيل ما قبل جيل Z، إنه الجيل Y، فإن احتجاجات هذا الجيل بدأت منذ عام 2025 في مناطق عديدة، في نيبال والمغرب ومدغشقر وبيرو وأماكن أخرى، يطالبون بمكافحة الظلم والفساد، أو حماية الديمقراطية في بعض البلدان. بل يمكن العودة إلى عام 2022 في سريلانكا لرؤية أولى الاحتجاجات المنسوبة إلى هذا الجيل الجديد من المتظاهرين في الدول الناشئة. بعد استقالة الرئيس السريلانكي بالإكراه، حدث سيناريو مشابه في بنغلاديش بعد أقل من عامين. تحدّث بعض الناس حينها عن احتمال حدوث ربيع آسيوي يقوده جيل جديد مؤيد للديمقراطية، في إشارة إلى الربيع العربي عام 2011.
السؤال الأهم: ماذا عن برامجهم السياسية؟ هل لديهم، على الرغم من انخراطهم السياسي، رؤى واضحة واستراتيجيات قابلة للتنفيذ؟ وهل يتوقع العالم أنهم قادرون على إحداث التغيير الذي سينعكس على الشعوب بأسرها؟ لذلك خلف سؤالٍ كهذا يختبئ سؤال أكثر خصوصية في ما يتعلق بالحالة السورية بعد عامين على سقوط نظام القمع والفساد، وبعد الانتفاضة الشعبية عليه التي تحوّلت إلى حرب أهلية مدمّرة عقداً ونصف العقد، بينما كانت ترنو لأن تكون ثورة تقلب الواقع وتمهد الطريق إلى بلاد يعمها الاستقرار والازدهار قائمة على القانون والمؤسّسات ومبادئ الديمقراطية والعدالة والكرامة المصونة. سؤال: هل ستظهر إرهاصات جيل محلي في سورية، يشبه جيل زد النشط في جهات العالم كلها تقريباً؟
جيل يغرق بالتدريج في أنظمة الاستهلاك، ويبتعد عن التمعن في حاضره
يبحث هذا الجيل في العالم عن هوية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، هوية يستطيع من خلالها امتلاك منظور مستقبلي يحدّد من خلاله موقعه في عالم يمور بالاضطرابات والصراعات، وليس أي موقع، بل إنه موقع العارف بحاضره وحاضر العالم، من أجل تبديد قلق المستقبل.
إذا كان الحراك الحالي في معظم الدول الأوروبية مدفوعاً بمشكلاتٍ تعاني منها المجتمعات، وكانت في كل دولة تعلي من شأن مشكلة على غيرها وتجعلها أول المطالب، فإن هذه الحراكات تشترك في سماتٍ كثيرة، بين أزمة معيشية باتت تشكل تهديدًا في رؤية الشباب لمستقبلهم، بما أنها تصعّب الحصول على عمل، والحصول على بيت وتكوين أسرة، علاوة على مشكلات التعليم وانحدار مستواه ورعايته وتأمين حاجاته من مدرّسين وبنى تحتية في هذه الدول، فإن متابعة الحالة السورية الراهنة تثير القلق وعدم الثقة بأن جيلًا مشابهًا ينشأ، وقادرًا على قراءة الواقع وتحديد الأهداف، بعد كل الأثمان التي دفعها الشعب السوري من أجل حلم الثورة على الواقع الغارق فيه، فكانت النتيجة ما نراه اليوم من استقطاب طائفي، قومي، مناطقي، وتغوّل لخطاب الكراهية والخطابات العنصرية بين فئات الشعب السوري.
من الصعب تصنيف الأجيال السورية كما هو معروف منذ جيل الطفرة السكانية بعد الحرب العالمية الثانية، جيل Z. فالانتفاضة السابقة التي استمرت على إثرها الحرب عقداً ونصف العقد، كان معظم كتلتها يتكون من جيل Y أو جيل الألفية الذي يتألف من الفئة العمرية (مواليد 1981 حتى 1996)، وهذا الجيل، مقارنة بالجيل الحالي، حصل على مستوى معيشي أفضل، وخدمات عامة أكثر، من ناحية التعليم والخدمات الصحية وفرص العمل وغيرها، لكنه كان محرومًا من الحرية والمشاركة في القرارات، وممنوعًا من العمل السياسي إلا تحت مظلة النظام. أما الجيل الحالي، جيل Z، فمعظمه ولد في أقسى الظروف، المحلية والدولية، فمحليًا كان قسم كبير منه في المخيمات، بين نزوح ولجوء، في ظروف حياتية قاسية، محروماً من التعليم والرعاية الصحية، والسكن اللائق بكرامة الإنسان، وقسم في منافٍ بعيدة ضائعين، أو معلقين في لحظة راهنة تتمادى حتى تكاد تطمس المستقبل، وقسم آخر ولد وكبر في ظل حرب وعقوبات دفعت به إلى خطوط الفقر وما تحتها، وعندما انهار النظام انهارت الدولة والمجتمع معه، بعد أن كشفت الحرب هشاشتهما، وبدأت خطابات الكراهية والعنف والبحث عن هويات ضيقة، وإعادة إحيائها في ما لو كانت تضمحل وتتهتك.
الشعب السوري يعاني، وتنخفض سقوف تطلعاته وأحلامه، وتنهار الأسس التي يُبنى عليها المجتمع المستقر الآمن
هذا هو الواقع مع الأسف، الشعب السوري يعاني، وتنخفض سقوف تطلعاته وأحلامه، وتنهار الأسس التي يبنى عليها المجتمع المستقر الآمن. فما يُلاحظ اليوم أن جيل الشباب منخرط بشدة في الواقع الافتراضي ومنصاته والأجهزة الذكية، بل إن قسماً مؤثراً منه يستخدم الذكاء الاصطناعي وتقنياته المتسارعة، فيسخرها في خدمة الرداءة المستشرية، وفبركة مفاهيم وعناوين وأخبار تزيد في الشرخ بين مكونات المجتمع. قسم كبير من هذا الجيل الذي ولد وكبر في ظروف الحرب والتضليل المتنوع، بات اليوم أكثر أدلجة ويبني مفاهيمه ومحددات الهوية الجمعية له وفق هذه الأدلجة. إنه جيل يمكن وصفه بحسب التعبير الشائع عن مصائر وأقدار تم التلاعب بها، بأنه “راح فرق عملة”. يعني أنه دُفع في أنساقٍ زادت في تهميشه وتفتيت أهدافه، ودفع من عمره وصحته وتعليمه وأحلامه لقاء وهم أكثر مما هو حقيقة.
جيل يغترب بسرعةٍ عن صخب العالم في حركته نحو المستقبل، يتراجع في تكوينه العلمي ليكون مساهماً في إنتاج الحضارة، يغرق بالتدريج في أنظمة الاستهلاك، ويبتعد عن التمعن في حاضره، منشغلًا في ماضٍ، تشتغل الأنظمة السياسية والاجتماعية والدينية اليوم في رصفه بما يخدم رؤيتها وتسعى إلى ترسيخه في الوعي العام، ماضٍ يضمر تاريخاً مرسوماً بما يخدم هذه الرؤية لسورية المستقبل، والتأسيس لهذا المستقبل منذ المراحل الأولى في تكوين الفرد السوري، من مناهج التعليم التي عمّت فضاء التواصل الاجتماعي الأحاديث عنها أخيراً، والتي، بحسب ما ينشر ويعزّز بالصور الموثقة، ترسخ هوية مفاهيمية وبصرية خاصة بما ينظر إلى أن يكون عليه المجتمع السوري. فكل حركة تأتي في سياق وطني محدّد، مع مطالبها الخاصة. هناك دائماً خصوصيات وطنية، فالحكومات الموجودة ليست نفسها، ولأن الشباب لا يعيشون الظروف نفسها أيضًا، فبذلك يمكن للعامل المُحفِز أن يلعب دوراً كبيرًا ومؤثراً في التعبئة للحراك. وإذا كان من الواجب أن نكون حذرين من تحميل الجيل Z كل آمال التغيير المأمولة في هذا العالم المتأزّم بالنسبة إلى الحراك العالمي الحالي، فإن الحذر واجب أكثر بالنسبة إلى الجيل السوري، ما يتطلب منا جميعاً تقديم المساعدة لهذه الأجيال، وتصويب الأداء الحكومي، والعمل الجاد على تحصين المجتمع ضد خطاب الكراهية وإضرام الفتنة فيه، أقلّه بتنقية الخطاب الإعلامي، وتفعيل قانون تجريم هذا النوع من الخطاب. وإلا، قد نُنشئ بذلك جيلاً من المواطنين المحبطين، ونعيد إنتاج بعض الظروف التي سببت الاحتجاجات مرّة أخرى.
- العربي الجديد























