مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وتعاظم الوجود العسكري الأميركي في الخليج بعد عام 1990، أخذ مركز الثقل في استراتيجية إيران الإقليمية يتحوّل تدريجياً نحو المشرق العربي. وبعد حرب استنزفت قدراتها، وكشفت حدود قوتها التقليدية، خصوصاً بعد إغراق الولايات المتحدة الأسطول الإيراني في إبريل/ نيسان 1988، وجدت طهران في المشرق العربي مجالاً أكثر ملاءمة لبناء نفوذ إقليمي يوفر لها عمقاً استراتيجياً وخطوط دفاع متقدّمة. وقد ساعدها في هذا تراجع قوة الدور العربي في الصراع مع إسرائيل، بعد خروج مصر من معادلته، وضعف الدولة في لبنان، ثم جاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وأخيراً الثورة السورية، لتفسح المجال أمام توسع حضورها العسكري والسياسي في عموم المشرق العربي.
تلخّصت الاستراتيجية في نقل خطوط المواجهة مع الخصوم بعيداً عن الأراضي الإيرانية، بما يرفع كلفة استهدافها مباشرة عليهم. ومن هنا جاءت أهمية “محور المقاومة”، الذي لم يكن مجرّد تحالف أيديولوجي، بل منظومة دفاعية متقدّمة توفر لإيران أدوات للردع والضغط والمساومة. وقد احتل حزب الله موقعاً مركزياً في هذه المنظومة، بوصفه قوة قادرة فعلياً على تهديد إسرائيل، فيما شكلت سورية حلقة الوصل بينه وبين إيران، ووفر العراق عمقاً استراتيجياً إضافياً، أمّا القضية الفلسطينية، فقد منحت طهران شرعية سياسية وشعبية ساعدتها على اختراق المجال العربي، وتوسيع نفوذها فيه. وهكذا، ولعقدين تقريباً تحمل المشرق العربي القسط الأكبر من كلفة حماية النظام الإيراني، ومشروعه الإقليمي، فيما بقيت أراضيه بعيدة نسبياً عن ساحات الصراع، لكن هذا الوضع تغيّر جذرياً بعد عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إذ لم تخسر طهران مواقع نفوذ فحسب، بل تعرّضت العقيدة الدفاعية التي حكمت سياستها الإقليمية طوال عقود لضربة كبرى، بعد أن جلست، من دون حراك، تراقب عملية تقويض خطوط دفاعها الخارجية، في وضح النهار، فاتحه بذلك الطريق إلى المركز.
مع انهيار أجزاء رئيسة من منظومتها الدفاعية المشرقية، لم يعد أمام إيران إلّا الانكفاء، وإعادة توجيه اهتمامها نحو الخليج العربي، ولكن ليس باعتباره مجالاً للتوسع، إنما أداةً لتعويض خسارة الردع. فإيران لا تعود إلى الخليج وهي في ذروة قوتها، بل تحت ضغط خسائر استراتيجية كبرى، وهي لذلك لا تسعى، ولا تستطيع، السيطرة عليه، بل تحويل قدرتها على تهديد أمنه واستقراره إلى مصدر بديل للردع وحفظ ما تبقى لها من نفوذ. وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز ومنشآت الطاقة والموانئ والبنية التحتية الحيوية في دول الخليج العربية. فبعد أن كانت طهران تردع إسرائيل عن مهاجمتها عبر جبهات المشرق، باتت تراهن بصورة متزايدة على تهديد المصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، عبر التلويح بأنه إذا لم يعد بوسع إيران منع مهاجمتها، فإنّ بوسعها جعل الكلفة باهظة على المنطقة والاقتصاد العالمي. بهذا المعنى، يتحول الخليج من ساحة للتنافس الإقليمي إلى رهينة استراتيجية تجعل إيران من تهديد أمنها وسيلة لحماية أمنها هي. طبيعة النموذج التنموي الخليجي، القائم على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي، والتجارة، والاستثمار والخدمات، يساعد إيران في تحقيق هدفها.
لكن انتقال ساحات الصراع والضغط من المشرق إلى الخليج ينطوي على مأزقٍ لإيران نفسها، فالمشرق كان يوفر لها إمكانية إدارة المواجهة بعيداً عن أراضيها، وعبر قوى محلية حليفة، أما في الخليج، فإنّ المواجهة تصبح مباشرة، وفي عقر دارها، وتترتب عليها أثمان تدفعها بدمائها هذه المرّة، بعد أن ظلت تسدّدها بدماء الآخرين. مع ذلك، تبقى إيران، بنموذجها، وظروفها، أقدر على التحمل، وما لم تبادر دول الخليج إلى إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية والدفاعية، وبناء قدراتها الذاتية، وتبني مقاربات تساعدها على الصمود ومواجهة الصعاب، وبناء ردع مقابل، فإنها تخاطر بتحويل أمنها إلى ورقة تفاوض في الصراع الإيراني مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وإذا كان المشرق قد دفع طوال العقود الماضية، ثمن محاولات إيران حماية نفسها، عبر نقل خطوط المواجهة إلى أراضيه وشعوبه ومجتمعاته، فإنّ التحدّي الذي يواجه دول الخليج اليوم يتمثل في كيفية منع تحولها إلى الساحة البديلة لتحمل هذه الكلفة.






















