قبل عام تقريبا ألقى الرئيس الأميركي باراك اوباما خطابه الشهير في جامعة القاهرة، والذي دعا فيه الى مقاربة سلمية ومثمرة مع العالم الاسلامي. وكانت القضية الفلسطينية وحل الدولتين الذي يستند الى اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش في سلام بجوار اسرائيل في قلب ذلك الخطاب. وطالب اوباما بوقف كامل وشامل للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية- بما في ذلك القدس الشرقية، من أجل تسهيل استئناف عملية السلام وإعطاء قدر من المصداقية للموقف الاسرائيلي غير المتفاعل مع الجهود والمبادرات السلمية.
واستطاعت رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال ضغوط اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة، الالتفاف حول مطلب وقف الاستيطان وتنفيس الجهود الاميركية. وعلى الرغم من أن اوباما يرأس اقوى دولة في العالم ومن المهم لهذه القوة العظمى ان تحظى باحترام كافة القوى والدول، فإن ما نتج عن تجاهل اسرائيل للطلب الاميركي الحق الكثير من الضرر بهيبة الولايات المتحدة- وخصوصا تلك الدول التي تراقب ردود فعل اسرائيل تجاه المطالب الاميركية، ومنها ايران وحلفاؤها في المنطقة مثل حزب الله وحماس، فضلا عن دول مثل كوريا الشمالية التي تنتهج سياسة مناوئة لأميركا على طول الخط.
وقد بلغ من استهتار الحكومة الاسرائيلية بالادارة الأميركية حد الإعلان دون اي احترام او مراعاة عن خطط لبناء ١٦٠٠ وحدة سكنية استيطانية في القدس العربية، وذلك اثناء وجود جو بايدن نائب الرئيس الأميركي في اسرائيل. وكانت تلك وفقا لما ذكره المحللون السياسيون بمن فيهم الاسرائيليون بمثابة صفعة مدوية لهيبة اميركا، التي تجاوزت كل الحدود في دعمها لاسرائيل منذ انشائها وحتى يومنا هذا. وكان بايدن قادما من اجل تسهيل استئناف المحادثات الاسرائيلية- الفلسطينية غير المباشرة، وبتكليف من الرئيس اوباما نفسه.
وكان طبيعيا ان ترد الولايات المتحدة على هذه الاهانة الاسرائيلية، وان تطالب اسرائيل برد الاعتبار لها من خلال أربعة اجراءات أعلنتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. ومنها الغاء قرار توسيع مستوطنة رامات شلومو، والاعلان عن ان محادثات السلام مع الفلسطينيين ستتمحور حول قضايا الوضع النهائي مثل حدود الدولة الفلسطينية والقدس والاجئين والاستيطان.
وفي الوقت الذي نثمن فيه عاليا هذا الموقف الأميركي الشجاع والمتقدم على كل المواقف السابقة، فإن من المهم للغاية المحافظة على تماسك هذا الموقف في وجه ضغوط اللوبيات اليهودية الأميركية التي بدأت في الظهور داخل الكونغرس وخارجه. علمابأن كثيرا مت القوى والدول ترصد رد فعل اسرائيل على مطالب كلينتون، وهل سيكون مصيرها مماثلا لمطلب التجميد الكامل للاستيطان الذي تقدم به اوباما قبل عام في خطابه الشهير بجامعة القاهرة أم ستصر الادارة الأإميركية عليه، وتلزم اسرائيل به بكل حزم حفاظا على مصداقيتها أمام العالم، وعلى مصالحها في المنطقة على وجه الخصوص.
من اجل مصلحة اميركا اولا، ومن أجل تحقيق السلام العادل الذي هو مصلحة اميركية ثانيا، بالاضافة لكونه يصب في مصلحة شعوب المنطقة فإن من المحظور ان تتمكن اسرائيل من الالتفاف حول هذه المطالب. وعلى الادرة الاميركية ان تدرك انها امام منعطف حاسم :فاما ان تفرض على حليفتها الاحترام المطلوب، واما ان تخضع للضغوط الاسرائيلية وتتراجع، كما فعلت مع مطلب التجميد الكامل للاستيطان. وفي الحالة الثانية لن تستطيع اقناع المعسكر المناوىء لها في العالم، وفي الشرق الاوسط خاصة، بأن وجهات نظرها جديرة بالاحترام والتطبيق على ارض الواقع- ليس في ما يختص بالقضية الفلسطينية، بل كذلك في مختلف القضايا وانزاعات الاقليمية والدولية.
القدس




















