إذا جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة على النحو الذي ذهبت إليه استطلاعات الرأي أمس، فإننا نكون علي أعتاب ثاني هزيمة مدوية للترامبية وللرئيس دونالد ترامب شخصيّاً، بعد هزيمته المذلّة في انتخابات الرئاسة البرازيلية التي وضع فيها كل ثقله خلف المرشح الخاسر الذي فرّ إلي أميركا فور إعلان انتصار لولا دا سيلفا. ليس صحيحًاً أن الترامبية السياسية والمالية لم تحتشد بكل إمكاناتها خلف مرشّح تل أبيب وواشنطن في البرازيل، فيلافيو بولسونارو، فكل الوقائع السابقة على الانتخابات والتالية لنتائجها أكدت المؤكّد وفضحت المفضوح، حين قرّر مرشّحها الهروب إلى الحضن الترامبي.
والشاهد أن الترامبية خسرت في البرازيل مرّتين: الأولى في يناير/ كانون ثاني 2023 بعد إحباط محاولة الانقلاب على الرئيس البرازيلي المنتخب، لولا دا سيلفا، في ذلك الوقت، بعد أيام من مباشرته مهام منصبه، وهي محاولة بدت مستنسخة من التجربة الترامبية في واشنطن، بعد الإعلان عن هزيمة دونالد ترامب أمام منافسه عن الحزب الديمقراطي جو بايدن في العام 2020، واقتحام أنصاره مقر الكابيتول بعد ذلك لمنع انعقاد جلسة مشتركة للكونغرس لإعلان تنصيب بايدن رسميّاً. كان لافتاً أن الشعارات التي استخدمها الترامبيون الأميركيون والترامبيون البرازيليون جاءت متطابقة، وإنْ كانت مشاهد الاقتحام في الحالة البرازيلية أكثر عنفاً واتساعاً إذ طالت القصر الرئاسي، والمجلس التشريعي ومؤسّسات أخرى.
عقب انتخابات رئاسة البرازيل، غادر المهزوم البلاد سرّاً إلى أميركا، في إعلان صارخ عن استعادة واشنطن رجلها والاحتفاظ به وتجهيزه لمحاولة أخرى على الطريقة الفنزويلية، غير أن هذا السيناريو الشرّير لن يكون ممكناً حال نجاح لولا دا سيلفا الأميركي في الانتصار على ترامب في انتخابات الكونغرس، إذ بات المرشّح الديمقراطي من أصل مصري يجسّد نموذجًا آخر لتحدّي الفاشية الترامبية، الأمر الذي انتقلت معه المعركة من كونها بين ديمقراطيين وجمهوريين إلى منافسةٍ بين نموذجي عبدول وترامب، وهي المنافسة التي تنتقل كذلك إلى صراع بين تيارين: الأوباماوية بمواجهة الترامبية، وكأن أميركا تحاول أن تستعيد بعض ملامح وجهها الجديد الذي انبهر به العالم مع انتخاب باراك حسين أوباما أول مرة في العام 2009، مقدّماً النموذج الأميركي الفريد الغائب منذ مارتن لوثر كينغ.
حضر أوباما بشكل كامل هذه المرة واضعاً كل جهده في دعم المرشّح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد، وغيره من الديمقراطيين في دوائر أخرى، الأمر الذي جعل الانتخابات التشريعية النصفية أقرب إلى تصويتٍ على ترامب شخصيّاً، والذي بدا، في الساعات الأخيرة من عملية الاقتراع، وكأنه أصيب بالجنون إلى الحد الذي اعترف فيه بالتفكير على طريقة البرازيلي الهارب بولسونارو، معلناً “إذا سئم مني الناس في أميركا يوما ماً، فسأنتقل إلى إسرائيل وأتولى رئاسة وزرائها حيث أحظى بنسبة تأييد تصل إلى 99% في إسرائيل”.
هذا التصريح بحد ذاته أقرب إلى إقرار بانحسار الترامبية التي هي مزيجٌ من الفاشية والصهيونية في معاقلها، فضلاً عن أنه يضيف مزيداً من الشواهد على أننا بصدد رئيس أميركي بدرجة موظف يدار بمعرفة الصهيونية، وليس العكس. وكما يحاول ترامب أن يصوّر الأمر أنه صاحب الأمر والنهي عند الكيان الصهيوني، غير أن المفارقة هنا أن تنحسر الترامبية في بلادها وتتمدّد في بلادنا، التي وضعت ثرواتها الضخمة في خدمة ترامب ودعمه منذ انتخابه قبل عامين، كما رهنت مواقفها من الصراع في الشرق الأوسط له، وهو ما ظهر في ردّات الفعل من العدوان الأميركي الصهيوني على إيران، إذ جاءت المواقف الرسمية على النحو الذي أرضى الرئيس الأميركي الذي ظلّ يردّد طوال الوقت أن الحرب على إيران ليست معركته وحده، بل معه من وصفهم بأصدقائه العرب.
مؤسفٌ أن من النخب العربية من يتناول الحرب على إيران بعقلية عضو متعصب في حركة ماغا، المؤيدة لترامب، الأمر الذي يضفي على بعض التحليلات السياسية التلفزيونية نوعاً من الغباء الشرير كأن يؤكد أحدهم بلسان عربي فصيح فرضية أنه في حال وجّهت إسرائيل ضربة موجعة لإيران فإن طهران ستردّ بضربة توجع دول الخليج، فتنخرط في الحرب متحالفة مع الصهاينة، على الرغم من الإيرانيين يتواصلون مع جيرانهم في المحيط العربي يوميّاً ويؤكّدون استجابتهم لأي جهد من شأنه الحفاظ على أمن المنطقة بمعرفة أصحابها بعيداً عن التربص الأميركي الإسرائيلي بكل الأطراف، فضلاً عن أن طهران كانت كل مرة تبرّر استهداف القواعد الأميركية في مدن الجوار بشن واشنطن اعتداءاتها عليها انطلاقاً من هذه القواعد، ومعلوم للكافة أن إسرائيل لا تمتلك قواعد عسكرية في الخليج لاستخدامها في العدوان على إيران، وبالتالي لا يستقيم واقعاً أو منطقاً أن يضرب الإيرانيون جيرانهم إذا جاءت الضربة من الكيان الصهيوني.
- العربي الجديد























