حضرت سوريا الجديدة بشكل جوهري على جدول أعمال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صباح الثلاثاء الماضي في منتجع ترمب الخاص “مارالاغو” بولاية فلوريدا الأميركية. في الحقيقة، حضرت خمسة ملفات على طاولة المباحثات، وهي: سوريا، وغزة، والضفة “فلسطين”، ولبنان، وإيران، إضافة إلى تركيا باعتبارها قوة إقليمية كبرى حاضرة في الملفات السابقة جميعها، مع انخراطها الكبير في سوريا وغزة وفلسطين، وأخيراً في لبنان، فضلاً عن تأثيرها أو استحالة تجاهلها فيما يتعلق بإيران والتعاطي معها سلماً أو حرباً.
إذن، يمكن تقسيم الملفات التي ناقشها ترمب ونتنياهو إلى حزمتين: الأولى تضم سوريا الجديدة وغزة وفلسطين، مع تفضيل الخيار الدبلوماسي فيها وفق قرارات الأمم المتحدة 2803 واتفاق فك الاشتباك لعام 1974. أما الحزمة الثانية فتتعلق بالنظام الإيراني، حيث المسدس الأميركي–الإسرائيلي على الطاولة. في حين يتموضع لبنان في الوسط نتيجة لارتباط حزب الله بالنظام وتأثيره السلبي الهائل عليه، مقابل مواقف القيادة المدعومة شعبياً في لبنان الجديد، الأقرب إلى الحزمة الأولى لجهة تغليب الخيارات السياسية والدبلوماسية وفق القرار الأممي 1701 محدَّثاً. أما تركيا فتحضر في الملفات كلها وإن بدرجات متفاوتة، وبالطبع إلى جانب الخيارات الدبلوماسية والاستعداد للمساهمة بمستويات سياسية واقتصادية وعسكرية متعددة لإنجاحها.
بدا نتنياهو وكأنه فوجئ بطلب ترمب، فأجاب متلعثماً عن الهدوء والأمن على الحدود، من دون أن يتطرق إلى قصة المنطقة العازلة غير المنطقية والمرفوضة من سوريا الجديدة، ومظلة الحماية العربية والإسلامية والدولية الواسعة والراسخة الداعمة لها.
عموماً، تتركز هذه القراءة على ملف سوريا الجديدة في جدول أعمال لقاء ترمب–نتنياهو، وهو ما اتضح جلياً في المؤتمر الصحفي المشترك عبر مواقف واضحة لترمب، منسجمة مع مقارباته السابقة، وتراجع واضح لنتياهو المتلعثم. علماً أن هذا التراجع كان قد بدا أصلاً مع التسريب الأميركي–الإسرائيلي الرسمي والمتعمَّد لصحيفة “واشنطن بوست”، والذي كان بمنزلة فك ارتباط إسرائيلي رسمي وعلني عن ملف جبل العرب والسويداء وسوريا الجديدة، والممر “غير الإنساني” المزعوم، وخطط ومشاريع الانفصال والتدخل الفج في الشؤون السورية الداخلية.
بتفصيل أكثر، أشاد ترمب مرة أخرى وعلناً بالرئيس أحمد الشرع، مذكِّراً بقراره رفع العقوبات عن سوريا الجديدة دعماً وتسهيلًا لمسار النهوض فيها وعدم عرقلته، وضرورة سيادة الأمن والهدوء على الحدود السورية “الفلسطينية”. ثم طلب من نتنياهو التعليق، مع التذكير الضروري هنا بخلفيات مواقف ترمب القاطعة مع الاستراتيجية الأميركية القديمة في سوريا، والعائدة أساساً إلى التضحيات الهائلة التي قدمها السوريون لإسقاط نظام بشار الأسد، ثم التحولات الاستراتيجية في سوريا الجديدة إثر طرد إيران وحزب الله، وتحجيم النفوذ الروسي، وتجفيف منابع تهريب المخدرات والسلاح، ونشر الفوضى والتنظيمات الإرهابية، بما فيها تنظيم داعش، الذي تولت القيادة السورية الجديدة محاربته دفاعاً عن مصالح البلاد واستقرارها وأمن ورفاهية مواطنيها.
بدا نتنياهو وكأنه فوجئ بطلب ترمب، فأجاب متلعثماً عن الهدوء والأمن على الحدود، من دون أن يتطرق إلى قصة المنطقة العازلة غير المنطقية والمرفوضة من سوريا الجديدة، ومظلة الحماية العربية والإسلامية والدولية الواسعة والراسخة الداعمة لها، مع اجترار المواقف الدعائية والخبيثة عن حماية الأقليات “الدروز والمسيحيين”. ثم واصل الابتعاد والهروب إلى نيجيريا، مكرراً مزاعم اضطهاد المسيحيين فيها لإرضاء ترمب الذي طرح الموضوع في الفترة الأخيرة، رغم أنه، كما في حالة سوريا الجديدة، غير صحيح جملة وتفصيلاً.
هنا لا بد من التذكير بحقيقة أن اتفاق فك الاشتباك الأممي لعام 1974 يلبي المطالب الأمنية المعقولة والواقعية للجانبين، مع انفتاح القيادة السورية على تحديثه من دون أن ينال ذلك من الجوهر المتعلق بإعادة انتشار قوات المراقبة الدولية “يوندوف” في المنطقة، وضرورة انسحاب إسرائيل منها، كما من كل المناطق التي احتلتها غداة سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي.
في السياق نفسه، كان لافتاً أن يأخذ ترمب زمام المبادرة مرة أخرى، متحدثاً عن الدور المركزي لتركيا في سوريا الجديدة، ومساهمتها في إسقاط النظام وطرد القوى “الشريرة” غير الشرعية الداعمة له.
يبدو المعنى واضحاً جداً في كلام ترمب، وبمواجهة نتنياهو مباشرة مرة أخرى، كما كان الحال في لقاء أبريل/نيسان الماضي في البيت الأبيض، ومفاده عدم نكران الجميل والدور التركي، وبالتالي لا ضرورة ولا فرصة أصلاً لاستبعادها باعتبارها عاملاً للهدوء والاستقرار في سوريا الجديدة، لا يجب أن تنزعج منه إسرائيل أبداً إذا ما أرادت فعلاً طرح مواقف معقولة وواقعية يمكن الإصغاء إليها ومناقشتها.
أما في استشراف نتائج وتداعيات لقاء ترمب– نتنياهو، فيمكن الاستنتاج أن الاتفاق الأمني يقترب، علماً أنه مطروح على الطاولة بوساطة السفير الأميركي لدى أنقرة، المبعوث إلى سوريا ولبنان وغزة، توم باراك، وبات منجزاً رغم المماطلة الإسرائيلية منذ شهر أيلول/سبتمبر الماضي، ويستند، كما بات معلوماً، إلى اتفاق فك الاشتباك مع تحديث ما لا ينال من الجوهر.
في الاستنتاجات السورية، يبدو واضحاً وجلياً تراجع منسوب العرقلة الإسرائيلية بشكل تدريجي لكنه متواصل، مع صعوبة، بل استحالة، تقديم دعم مادي أو عسكري أو حتى سياسي وإعلامي للمشاريع والخطط الانفصالية.
وعلى صلة بما سبق، يمكن الاستنتاج، بل وحتى التأكيد، أنه لا صدام بين إسرائيل وتركيا في سوريا، مع عمل أميركي دائم للتهدئة بينهما، والانتباه إلى قرار كبير لدى القيادتين بعدم الاصطدام العسكري المباشر، رغم الخلافات السياسية الواسعة، لا في سوريا ولا غزة ولا لبنان أو أي منطقة أخرى.
في الاستنتاجات السورية، يبدو واضحاً وجلياً تراجع منسوب العرقلة الإسرائيلية بشكل تدريجي لكنه متواصل، مع صعوبة، بل استحالة، تقديم دعم مادي أو عسكري أو حتى سياسي وإعلامي للمشاريع والخطط الانفصالية، ما يمثل صفعة وصدمة كبيرة لمن راهنوا على اللاعب الإسرائيلي، الذي بات غير قادر على التدخل الفعلي في الجنوب، ناهيك عن الشمال أو الغرب.
أخيراً، وفيما يخص سوريا الجديدة، وبما يعطي فكرة عن آفاق ومآلات الأوضاع فيها، يجب الانتباه إلى استقبال وزير الخارجية أسعد الشيباني الجنرال “باتريك غوشات”، المسؤول العسكري الكبير في الأمم المتحدة والمكلَّف بمراقبة الهدنة بين الدول العربية وإسرائيل، وذلك في اليوم نفسه للقاء ترمب–نتنياهو، الذي شهد كذلك تمديد مجلس الأمن الدولي تفويض قوات “يوندوف” وفق اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 لمدة ستة أشهر أخرى، مع الانتباه إلى أن ذلك جرى بدعم دولي واسع، وفق مبادرة وعمل مشترك وتوافق تام بين بعثتي الولايات المتحدة وروسيا في الأمم المتحدة.
- تلفزيون سوريا



























