أثار البيان السوري- الأميركي- الإسرائيلي المشترك أسئلة لا يمكن تجاوزها، بسبب الخلل البنيوي في المنطق الذي يحكمه. فحين تُدرج العلاقات الدبلوماسية والفرص التجارية داخل إطار تنسيق أمني بين دولتين ما زالتا في حالة عداء، نكون أمام قلبٍ واضحٍ لترتيب العلاقات الدولية، لا أمام خطوة سياسية طبيعية. ففي الأعراف المستقرة، لا تُفتح القنوات الدبلوماسية قبل معالجة جذور النزاع، ولا تُطرح الفرص الاقتصادية قبل استعادة الحقوق، ولا يُبنى الأمن المشترك بينما يبقى الاحتلال قائماً. ولهذا، فإن ما جاء في البيان لا يثير الجدل فحسب، بل يفرض إعادة طرح السؤال الأساسي: ما الذي يجري فعلياً، وبأي منطق تُدار السيادة في لحظة انتقال هشّة؟
إذا نظرنا إلى البيان في ضوء التجارب العربية السابقة مع إسرائيل، تزداد فرادته المقلقة. ففي اتفاقية كامب ديفيد مثلاً، جاء الانخراط في ترتيبات أمنية واقتصادية بعد تحديد واضح لثمنها السياسي: انسحاب من سيناء، وترسيم لحدود معترف بها، وإطار قانوني معلن للعلاقة. وفي معاهدة وادي عربة، ارتبطت الترتيبات الأمنية والدبلوماسية باعتراف متبادل وترسيم للحدود ومرجعيات دولية محددة. بينما يقدّم البيان السوري- الأميركي- الإسرائيلي الحالي ترتيبات أمنية- دبلوماسية- تجارية متداخلة، من دون أي التزام مقابِل واضح يتعلق بالأرض المحتلة أو بتعريف حالة الصراع أو حتى بإطار تفاوضي معلن.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً عند التوقّف عند الصياغة الحرفية للبيان، الذي ينصّ على إنشاء “آلية تنسيق مشتركة وهي خلية اتصال مخصصة لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة”. فالجمع بينهما في آلية واحدة، وبرعاية طرف ثالث، لا يترك مجالاً كبيراً للالتباس: نحن أمام إطار شامل يعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل بوصفها شريكاً أمنياً- اقتصادياً محتملاً، لا طرفاً في نزاع تاريخي محكوم بمرجعيات قانونية وسياسية واضحة. الأخطر أن البيان يتحدث عن “فتح صفحة جديدة” من دون أن يكلّف نفسه حتى عناء ذكر الاحتلال للجولان أو أي إشارة إلى قرارات دولية ذات صلة، وكأن جوهر الصراع قد حُسم سلفاً لصالح الأمر الواقع.
وعند هذه النقطة يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: هل ما جرى يعكس خياراً سياسياً حراً، أم أنه نتاج ظرف قاهر لا يتيح للدولة سوى الاستجابة؟ نحن، على الأرجح، أمام حالة أقرب إلى المثل الشعبي القائل: “مكرهٌ أخاك لا بطل”؛ مسار تفرضه ضرورات النجاة وتقليل الكلفة المباشرة، أكثر مما تعبّر عنه قناعة استراتيجية راسخة أو رؤية سياسية متكاملة. فالمسار الذي يقدّمه البيان يبدو استجابة لإكراهات متراكمة: اقتصاد منهك، هشاشة داخلية، ضغط دولي متصاعد، وخشية حقيقية من انزلاق عسكري قد يجرّ البلاد إلى مواجهة لا قدرة لها على تحمّلها. الإكراه قد يفسّر القرار، لكنه لا يمنحه شرعية سياسية دائمة، ولا يحوّله إلى مسار سليم بالضرورة.
وإذا كان هذا المسار يُفهَم في ضوء الإكراهات الخارجية والاختلال في ميزان القوى، فإن صورته تزداد تعقيداً عند التوقّف أمام الداخل السوري نفسه. فلا يمكن تجاهل أثر المزاج الشعبي، الذي لم يعد يتحرك في اتجاه واحد، بل يتوزع بين رغبة عميقة في الاستقرار وتجنّب أي حرب جديدة، وبين نزعات تحريضية تدفع الدولة نحو خيارات عسكرية في ملفات داخلية مثل الموقف من “قسد” أو “الهجري”. هذا التناقض يعكس حالة إنهاك عام، لا رؤية سياسية واضحة، يضاف إليها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، وكلها تجعل السلطة أكثر ميلاً إلى البحث عن ترتيبات خارجية تخفف عنها عبء الداخل. وفي المقابل، تستخدم القوى الإقليمية والدولية هذه الملفات ذاتها كورقة ضغط لدفع دمشق نحو خيارات لا ترغب بها بالضرورة. وهكذا يصبح البيان جزءاً من شبكة أوسع من المقايضات غير المعلنة، حيث تُربط الملفات الداخلية بالمسارات الإقليمية، ويُستخدم الاستقرار المحلي كأداة تفاوضية بدل أن يكون هدفاً بحدّ ذاته. هذا الربط يعمّق هشاشة الدولة ويجعل قرارها السياسي أكثر ارتهاناً للضغوط الخارجية.
غير أن الإشكالية لا تقف عند حدود السياسة أو التوازنات الحالية، بل تمتد إلى المستوى الدستوري نفسه. فالحكومات الانتقالية، بحكم طبيعتها، سلطات مقيّدة لا مطلقة، ولا تملك تفويضاً مفتوحاً لعقد التزامات تمس الأمن القومي أو تُنشئ آليات دائمة للتنسيق مع العدو، أو تفتح مسارات دبلوماسية واقتصادية طويلة الأمد. إنشاء “خلية تنسيق” متعددة الوظائف وتحت إشراف دولة أجنبية لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً مؤقتاً، بل هو التزام سيادي مقنّع، يقيّد القرار الوطني مستقبلاً، والأخطر أن يتحول هذا النوع من الترتيبات إلى أمر واقع يُقدَّم لاحقاً بوصفه التزاماً سابقاً لا يجوز التراجع عنه.
إن نقد هذا المسار لا يقتصر على رفضه أخلاقياً أو عاطفياً، بل ينطلق من حدّ أدنى يفترض أن يحكم أي سلطة انتقالية أو دولة تسعى إلى صون ما تبقّى من سيادتها في ظرف قاهر. فهذا الحدّ الأدنى يقتضي، أولاً، أن لا تُبرَم ترتيبات أمنية دائمة أو شبه دائمة مع طرف عدو من دون مرجعية دستورية واضحة، ورقابة وطنية حقيقية، وتفويض شعبي صريح أو ضمني يمكن مساءلته. ويقتضي، ثانياً، أن لا يُدمَج الأمن بالدبلوماسية والاقتصاد في آلية واحدة برعاية دولة أجنبية، من دون سقف زمني محدّد، ومن دون آليات مراجعة تسمح بتعديله أو التراجع عنه إذا تعارض مع المصلحة الوطنية. ويقتضي، ثالثاً، أن لا يُقفز فوق جوهر الصراع -أي الاحتلال والأرض والحقوق- مقابل وعود عامة بالاستقرار والازدهار. أي مسار يتجاهل هذه المبادئ الأساسية، خصوصاً في مرحلة انتقالية صعبة، لا يمكن اعتباره سياسة واقعية بقدر ما هو تفريط تدريجي بمعنى السيادة نفسها، تحت ضغط الضرورة ومنطق الأمر الواقع.
باختصار، لا تكمن خطورة البيان في بنوده المعلَنة وغير المعلنة بقدر ما تكمن في المسار الذي يُدار فيه أخطر ملفّات السيادة بعيداً عن أي نقاش وطني جدي، وتُربَط فيه خيارات الدولة في الحرب والسلم بآليات تنسيق أمنية واقتصادية مفروضة من الخارج. وإذا كان لا مفرّ أحياناً من التعامل مع موازين قوى مختلّة، فإن ما لا يجوز تحييده هو الحق المجتمعي في مناقشة هذا النوع من التحوّلات، ووضع حدّ أدنى من الضوابط الدستورية والسياسية عليها. فالمسألة هنا لا تتعلق ببيان عابر أو ترتيبات مؤقتة، بل بكيفية تعريف السوريين لعلاقتهم بدولتهم ولِما يُتَّخذ باسمهم من قرارات في لحظة هي من أكثر اللحظات هشاشة في تاريخهم الحديث.
- المدن


























