إن الحضور الفاقع للاستقطاب الطائفي في سوريا يخفي وراءه ضعف حضور السياسة، بوصفها الفضاء القادر على إدارة الاختلاف والتنوع السوري ضمن أطر مؤسساتية وآليات متوافق عليها، تخدم المصالح العليا المشتركة للشعب السوري بمختلف ألوانه. فإذا كانت السياسة قادرة على تنظيم الاختلاف وخلق تقاطعات مشتركة، فإن الطائفية تقوم على تسييس الاختلاف العقائدي والاجتماعي، واستثماره، وتحويله إلى صراع وجودي مغلق وغير قابل للحل.
لأسباب عديدة تتعلق بالموروث الاجتماعي–التاريخي، وبفعل تصحير الحياة السياسية والسياسات الإقصائية التي مارسها حكم الأسدين على مدى أكثر من نصف قرن، تحوّل الفضاء السياسي السوري إلى فضاء استقطاب وتكتل على أساس طائفي.
فالانتماء الطائفي في المجال السياسي هو انتماء مغلق، عاجز عن تجاوز قصوره والانفتاح على فضاء إنساني ووطني عام. وهو انتماء ثابت يتمحور حول هوية طائفية تقوم، في الغالب، على فرز حاد بين “نحن” بوصفنا ممثلين للخير، و“الآخرين” بوصفهم ممثلين للشر. وتعتمد الفئويات الطائفية، في تثبيت بنيتها وحشد أتباعها، على عقيدة المظلومية التاريخية، وعلى أسطره بطولات مبالغ فيها.
الصراع الطائفي صراع عدمي ومدمّر للمجتمعات، وهو وصفة مجرَّبة في تخريب الأوطان وتحويلها إلى دول فاشلة. إنه صراع دائري يعيد إنتاج نفسه في حلقة مُفرغة؛ فالصراع السني–الشيعي عمره أكثر من ألف عام، وليس من المتوقع أن ينتهي ربّما بعد ألف عام! وكذلك الصراع العلوي–الإسماعيلي الذي يمتد لمئات السنين، والصراع الماروني–الدرزي في لبنان الذي يمتد بدوره لمئات السنين.
من الواضح اليوم في سوريا وجود استقطاب وصراع طائفي يتجلى في اختلاف المقاربات والنظرة إلى الأحداث، وفي الاصطفافات تجاه الحكومة السورية الجديدة عقب سقوط الأسدية، كما يتجلى في العديد من التوترات والصراعات على امتداد الجغرافيا السورية.
إن أي دولة لا توجد فيها حياة سياسية حقيقية، وأي سلطة لا تقوم على التشاركية السياسية والتمثيل الديمقراطي، مآلها التصلب والجمود. وإن استمرار مشهد الصراع والاستقطاب السياسي سيظل عبئاً كبيراً على الحكومة السورية، وسيُضعف الوطنية السورية الوليدة، ويجعلها هشّة وعرضة للاختراقات والمؤامرات الخارجية، الأمر الذي سيكون مرهقاً للسوريين، شعباً وحكومة.
لمقاربة هذه الإشكالية، ينبغي إدراك أن الطائفية ليست قدراً يلاحق السوريين أو غيرهم من الشعوب، وليست ظاهرة طبيعية أو اجتماعية يمكن التعايش معها. إنها أقرب إلى الأمراض المزمنة، كداء السكري أو فيروس نقص المناعة المكتسب، إذ تؤدي بالجسد السوري إلى التهلكة إذا لم يتم معالجتها.
لا يكون علاج الطائفية عبر هجائها والخطابات المنمّقة التي تتغنى بالوحدة الوطنية و”فسيفساء” المجتمع السوري، أو عبر استحضار لحظات مضيئة من التاريخ، عندما قصد فارس الخوري الجامع الأموي وخاطب المصلين من على المنبر “إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري، وأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله”. إنّ هذا الاستحضار و الخطابات على أهميتها، لا تكفي. كما أن لقاءات وخطابات و مواعظ رجال الدين لم تؤدِّ الغرض، وكلنا يتذكر كيف كان الرئيس المخلوع بشار الأسد يجمع رجال دين من مختلف الطوائف وهم يتغنون بالوحدة الوطنية و”فضائل” الرئيس المُؤمن.
إن حضور الطائفية خطابًا وسلوكًا هو نتيجة مباشرة لانغلاق السياسة. فعندما يجد المواطن السوري نفسه مُعيَّناً بوصفه مواطناً متساوياً أمام القانون، تنتفي الحاجة إلى التحزب والعصبية الطائفية. ومن هنا، يتوجب على السلطة والحكومة السورية إفساح المجال للانتقال من فضاء المجتمع الأهلي وشبكة الولاءات والقرابات والمعارف ، إلى التعيين المدني والسياسي، المُنتمي إلى فضاء المُجتمع المدني والدولة الحديثة.
شهدت سوريا، عقب سقوط الأسدية، موجتين من العنف الدموي ذي الأبعاد الطائفية في محافظة السويداء في تموز ، وفي الساحل في آذار 2024، راح ضحيتهما عدد كبير من المدنيين الأبرياء. كما أنه لا يمكن استبعاد خطر حدوث موجات عنف جديدة، وربما مجازر على أساس طائفي، في المنظور القريب، رغم سعي الحكومة السورية الجديدة لتجنب ذلك وتصرف جهاز الأمن العام بدرجة من الانضباط والمهنية، كما ظهر في التعامل مع الاعتصامات والمظاهرات التي دعا إليها رجل الدين العلوي غزال غزال مؤخرا.
غير أن الضبط الأمني، على أهميته، لا يكفي، ولا يمكنه وحده نزع فتيل الصراع الطائفي؛ إذ نحتاج إلى معالجة سياسية طويلة الأمد تُجفف منابع الطائفية وتفكك عقدة الاستعصاء الطائفي. هنا تبرز السياسة بوصفها بديلاً عن العنف الطائفي، إذ تقوم على تحويل الصراع من مواجهة مادية دموية إلى جدل لغوي عقلاني داخل فضاء عمومي مشترك.
إن إقرار قانون جديد للأحزاب في سوريا، وإجراء انتخابات ديمقراطية للنقابات المهنية، وسنّ قانون لتشكيل منظمات المجتمع المدني، كلها خطوات من شأنها المساهمة في تجاوز العقدة الطائفية. فالأحزاب السياسية، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني ستضم سوريين من مختلف الانتماءات الطائفية، بما يعيد تعريف الأفراد بوصفهم أعضاء في حزب أو نقابة أو منتدى، لا بوصفهم أبناء طائفة بعينها. كما أن وجود آليات انتخاب ديمقراطية وهياكل تنظيمية واضحة يساعد على مغادرة المربع الطائفي وإعادة خلط السوريين في فضاء وطني عابر للطوائف.
السياسة، كأي نشاط إنساني، لا تبدأ بسباق ماراثون؛ فلا بد من خطوات أولى. وتتمثل هذه البداية في حزمة قوانين، مثل: انتخابات بلدية، وانتخابات نقابية، وقانون أحزاب سياسية، وتجريم الخطاب العنصري الطائفي وغير الطائفي، وتجريم إنكار “الهولوكوست الأسدي”، وقانون عصري للتظاهر وتسريع اجراءات العدالة الانتقالية. ويمكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، دون استنساخها حرفياً، لأن التجربة السورية تجربة متفردة. نحن، كسوريين، أمام فرصة تاريخية نادرة لبناء وطن خرج من تحت الركام، وصناعة وطنية سورية بأدوات السياسة الواقعية، لا بأدوات الشعر والخطابات وتجميل الواقع. إنها وطنية سورية ما تزال تحبو، لكنها وطنية واعدة.
- الثورة السورية























