أسفرت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الأخيرة عن أوائل كثرٌ في ميادين متقاطعة مختلفة، ليس بمعنى تسجيل سابقة في فوز محدد هنا وهناك لاعتبارات شتى متباينة هنا أيضاً، فحسب؛ بل كذلك، أو ما هو جوهري أساساً، لأنّ ما تمّ اختراقه أو هزيمته أو حتى إضعافه كان أشدّ تقرّناً من أن يُكسر أو يُقصم أو حتى يتفتت. غير بعيد عن المعادلة هذه، إذْ أنه في الصميم منها عملياً، ما صنعته السوابق من هزيمة شخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جال الولايات طولاً وعرضاَ وشمالاً وجنوباً ليساند من حيث الشكل هذه أو هذا من مرشحات ومرشحي الحزب الجمهوري، وكان في واقع الأمر يدافع عن اسمه قبلهنّ وقبلهم.
فبعد مرور 534 سنة على «اكتشاف» أمريكا، وتعاقب الغزوات والاجتياحات وتدمير الحضارات والأوابد وارتكاب الانتهاكات والفظائع ونشر الأوبئة ونهب الثروات، ثمّ إفناء نحو 70 مليون من السكان الأصليين… تُزفّ إلى الإنسانية بشرى انتخاب كلير فالديز نائبة في الكونغرس عن الدائرة السابعة في ولاية نيويورك؛ وانتخاب جينا هينوجوسا، 52 سنة، الهسبانية اللاتينية، حاكمة لولاية تكساس (وما أدراك ما تكساس!)؛ عدا عن كونها أوّل ديمقراطية في المنصب منذ 36 سنة، وثالث امرأة تشغل الوظيفة في تاريخ الولاية.
وفي نيوهامبشير ذهبت السابقة التاريخية إلى كريس باباس، كأوّل مثلي معلَن يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي؛ ومع ذلك فإنّ هذا التفصيل النادر في السيرة الشخصية لم يحجب أيّ بند في برنامج الرجل الانتخابي الذي كان وراء فوزه، إذ شدد على الشؤون الاقتصادية والمعيشية وحاجات الناس الصحية والتعليمية والخدمية. أمّا عبد الرحمن السيد، أوّل مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ أيضاً منذ أوائل القرن السادس عشر حين دخل الإسلام إلى أمريكا مع العبيد الأفارقة المسلمين، فقد سال حبر كثير في توصيف سعار الكراهية العنصرية شبه الجَمْعي الذي اكتنف صعوده وشعبيته وفوزه؛ ليس ابتداءً من الرئيس الأمريكي، ولا انتهاء بانحياز الديمقراطية هيلي ستيفنز إلى مرشح الحزب الجمهوري خدمة لمصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وبمعزل عن حكايات الأوائل، وهذه السطور لا تقلل البتة من قيمة رمزياتها وآثارها الفعلية، ثمة أسئلة أخرى عديدة يتوجب أن تقترن بـ»موجة زرقاء» كاسحة حقاً؛ لأنها أسلمت الكونغرس بمجلسَيه إلى الحزب الديمقراطي، بالمعدلات الصريحة المسجلة حتى الساعة: 54 مقابل 44 للشيوخ، و240 مقابل 147 للنوّاب. صحيح أنها ليست المرّة الأولى للهيمنة على هذا النحو، سواء للحزب الديمقراطي أم للحزب الجمهوري، إلا أنّ جملة شروط ملموسة، عامة وأكثر راهنية واقتراباً من العوامل التي تحكمت بنوايا التصويت، تبيح وضع وقائع انتخابات 3 تشرين الثاني (نوفمبر) الأمريكية في سياق أسئلة أوسع نطاقاً وأعلى دلالة.
وفي ناظر هذه السطور، لعلّ السؤال الأهمّ هو الدرجات التي تتيح إقامة ارتباط من نوع ما، أيّ نوع في الواقع، بين هزيمة مرشحات ومرشحي الحزب الجمهوري، وسياسات الرئيس الأمريكي الداخلية والخارجية؛ ليس بالمعنى الميكانيكي المعتاد، والبديهي أو يكاد، حول مسؤوليته الشخصية عن الهزيمة، فحسب؛ فهذه تبدو خلاصة مسلّماً بها منطقياً، أو هي تحصيل حاصل. وإنما، أيضاً وقبلئذ كما قد يصحّ الافتراض، على مستويات أخرى أكثر عمقاً تخصّ مدى تأثير النتائج على استقرار، أو انحسار، الترامبية إجمالاً في قلب حواضنها الشعبية والشعبوية؛ وبوصفها «فلسفة» رئاسية أتاحت انتخابه مرّتين، ونهج حزبي جرّ الغالبية الساحقة من ساسة الحزب الديمقراطي ومشرّعيه إلى حظائره.
ولعلّ الزمن المقبل، بمعيار أشهر وليس أسابيع، سوف يستخلص طرازاً من انجلاء المعطيات حول مصائر الترامبية، سواء في منعكسات «الفلسفة» ذاتها وما يتبقى منها ويصمد أو ينحسر ويضمحل؛ أو في سلوكيات الرئيس نفسه، الآن وقد ألقى على كتفيه عباءة «المستر فيتو»، لجهة تعطيل هيمنة الديمقراطيين على المجلسين، أو نزع الدسم عن أي تشريع يفلحون في صياغته وضمان التصويت عليه. الثابت، في المقابل، وحتى يُنضج ذلك الزمن الآتي شروطَه، أنّ الترامبية أصيبت بأذى بيّن قد يكون شديداً، أو قد يجهد ترامب لتحويله إلى عارض لا يُلقي بالجسد الثقيل أرضاً. والترامبية، في جانب آخر بالغ الأهمية، يخصّ الحيوية ذاتية التوليد غالباً، ليست أقلّ من طور مكمِّل لأطوار سالفة؛ تعاقبت وتقاطعت وتكاملت، في عهود الديمقراطيين والجمهوريين على حدّ متماثل.
ما تمّ اختراقه أو هزيمته أو حتى إضعافه كان أشدّ تقرّناً من أن يُكسر أو يُقصم أو حتى يتفتت
في صياغة أخرى لهذه الخلاصة، ليس بـ»موجة زرقاء» واحدة يمكن للمدّ الترامبي الراهن، المترسب عميقاً هنا وهناك في مفاصل أمريكا، أن ينحسر على نحو ملموس يتناسب، حتى من حيث الشكل، مع رمزية الأوائل وأعداد الموجة في المجلسين؛ في ثلاثة ميادين كبرى، بين أخرى أدنى تأثيراً. الميدان الأوّل هو أنّ شعبية ترامب، حتى حين تنخفض، لا تقبل المقارنة الصائبة مع شعبية هذه المرشحة أو ذاك المرشح من الجمهوريين الخاسرين خلال الانتخابات الأخيرة. والاعتبار الجوهري هنا هو أنّ هذه الشعبية لم تهبط من السماء بغتة، وليست ذات صلة وحيدة بالضجيج والعجيج وحروب الرسوم الجمركية وغزو فنزويلا والحرب ضد إيران والمطامع في جزيرة غرينلاند؛ وهي تضرب بجذورها في التربة المأزومة ذاتها التي يعيشها النظام الرأسمالي المعاصر، على أصعدة سياسية واجتماعية واقتصادية.
الميدان الثاني يفضي إلى قراءة النزوع الفاشي، المتجذر عميقاً في وجدان أنصار الترامبية وسلوكهم، ينتهي في ركائزه إلى طراز من التمييز العنصري، سبق للوجدان الأمريكي الشعبوي أن امتهنه وحوّله إلى مقولات «وطنية»، مطابقة لتلك التي يتكئ عليها ترامب في خطابه الإجمالي. ولم يكن غريباً أنّ بعض أنصاره لم يتورعوا عن المطالبة بإحياء النظام العبودي، والعودة بأمريكا إلى ما قبل 1862! صحيح أنّ العطب الذي لحق بالدولارات في الجيوب، جراء الحرب ضد إيران وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، سقطت عواقبها المباشرة على رؤوس مرشحي الحزب الجمهوري مؤخراً؛ إلا أنّ الترامبية ذاتها، من حيث «الفلسفة» المتأصلة، لم تجثم تماماً في صناديق الاقتراع.
ميدان ثالث تصنعه مواقف النخبة، طبقة الساسة وكبار المتنفذين وأجهزة الإعلام، إزاء الترامبية وشخص ترامب، إذ ثمة لكلّ شريحة من هؤلاء، مصلحة ما، في إطار ما، عند حدّ ما، لتغذية «الفلسفة» واستغلالها وتوظيفها؛ شريطة أن تُضبط في التوقيت المحسوب. وليست حلقات المداورة بين الهزيمة والابتهاج، لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهستيريا التغطيات الإعلامية، سوى بعض تجليات هذه الحال؛ الأمر الذي لا يعني أنّ المراكز الليبرالية الكبرى، هنا وهناك في أرجاء المجتمعات الرأسمالية، لا تستشعر الخطر، ولا تشارك في الضبط والانضباط، بين حين وآخر.
وقارئ تعليقات ج. د. فانس، نائب الرئيس الأمريكي، على نتائج الانتخابات الأخيرة، لا يحتاج إلى كبير جهد كي يضعها سريعاً في صدارة أجندة المرشح المحتمل لرئاسة الولايات المتحدة المقبلة، وكي يقرنها بما يشبه «ثقافة» مستدامة من تداول خطاب الطبقة السياسية الأمريكية؛ ولكن في قلب سيرورة متكررة، عابرة بدورها لتقلبات الحزبين. هذه، حتى فجر تغيير جوهري عاصف يأتي ولا يأتي، قوّة عظمى كونية لم تتوقف يوماً عن انتهاك القوانين ضدّ العالم بأسره، وأنشأت «السجون الطيارة» غير الشرعية في بعض البلدان الأوروبية والبلدان التابعة، ونقلت المعتقلين المختطفين في رحلات جوية سرّية عبر مطارات الديمقراطيات الغربية والدكتاتوريات على حدّ سواء.
هي موجة زرقاء، قد تعقبها أخرى حمراء؛ والدورات دواليك أمريكية وهكذا تظل، في مدى منظور مديد.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
- الفدس العربي




















