لم تعرف سوريا في تاريخها الحديث سوى فترة قصيرة نسبياً خالية من الاستبداد، بمعنى غياب الاعتقالات نتيجة الاختلاف في الرأي، وتوافر حرية الصحافة وتشكيل الأحزاب وممارسة نشاطها، إضافة للانتخابات الحرة، إذ مثّلت الفترة الممتدة من عام 1954 حتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958 إحدى أكثر الفترات انفتاحاً وتعددية في التاريخ السياسي السوري الحديث، رغم ما شابها من اختلالات وصراعات سياسية وعسكرية. بالطبع لم يكن الاستبداد في الفترات اللاحقة على درجة واحدة من القسوة والعنف، إذ تعاظم بشدة في عهدي الأسدين منذ أواسط السبعينيات بعد، تدخل الجيش إلى لبنان عام 1976، حيث ترسخت قبضة الأجهزة الأمنية وتوسع تدخلها في الحياة العامة نتيجة المواقف الرافضة لتلك العملية، وخاصة بعد مجزرة تل الزعتر.
يشير تاريخ السلطات في سوريا، مثلها مثل أي سلطة في البلاد العربية، أنها لم تصل إلى السلطة إلا عن طريق الانقلابات أو التوريث. وبذلك فقد اعتمدت في استمراريتها على ركيزتين: الأولى، صلبة، وتتمثل في الجيش وأجهزة المخابرات، التي تحولت في كثير من الأحيان من مؤسسات يفترض أن تكون مهمتها حماية البلاد والمجتمع إلى أدوات لحماية السلطة ومواجهة المجتمع نفسه، والركيزة الثانية، هي تشكيل شبكة من الولاءات قائمة على العصبيات الدينية والمذهبية أياً كان غلافها الأيديولوجي “قومي، ديني، يساري”. وقد ساعد على ترسيخ هذه التركيبة غياب تشكل قوى مجتمعية فاعلة يمكنها أن تعيق أو تكبح نزعة تلك السلطات بالاستبداد.
تنزع كل السلطات عموماً بحكم طبيعة تركّز القوة في يدها، إلى توسيع نطاق نفوذها ما لم تخضع لضوابط دستورية ومؤسسية ومجتمعية تضمن المساءلة وتمنع احتكار القرار، وهذا يستدعي تغيير طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وإقامة مؤسسات قادرة على منع احتكار القوة والقرار.
تعاني سوريا منذ فترة طويلة من انقسامات مجتمعية، عمل نظام السلالة الأسدية على تعميقها، وخاصة الطائفية منها، إضافة لانقسامات أخرى مرتبطة بالبنى التقليدية القائمة والمصالح الاجتماعية..
كانت أهم العوامل التي شكلت هذه الأنظمة أنها نتاج الفترة الاستعمارية التي عمقت الانقسامات في المجتمع وذلك من خلال رسم خطوط حدود قابلة للاشتعال في أي لحظة بين فئات المجتمع، لكن هذا الإرث لم يكن وحده المسؤول عن نشوء الاستبداد، فقد كان لتشكيل هذه الجيوش وفق اعتبارات مذهبية وإثنية، وصراع النخب السياسية ونزوعها نحو دعم السياسات الانقلابية دور في تحول الجيش تدريجياً من مؤسسة وطنية يفترض أن تكون خاضعة للسلطة المدنية إلى طرف رئيسي في الصراع على الحكم لا هم لها سوى البحث عن السلطة وتكريس وتعميق خطوط الانقسام من أجل السيطرة على البشر ونهبهم. وقد كان لهذه الجيوش الدور الأكبر بعد الاستقلال في تشكيل “الدول” على قياسها، وأخيراً، ابتلعتها.
اليوم، حقق الشعب السوري، عبر ثورته التي امتدت لأربعة عشر عاماً، وبكل أشكالها السلمية والعسكرية الخطوة الأولى، وهي الخلاص من نظام الأسدين الطغياني، لكن هذه الخطوة رغم أهميتها الكبرى، ليست كافية لبناء دولة تقوم على المؤسسات والصالح العام ما لم تترافق بإتاحة الفرصة للسوريين والقوى السياسية، مهما كانت ضعيفة، للمشاركة في رسم مصيرهم واختيار نظام الحكم الذي يمثلهم. وهذا يرتب المسؤولية على كلا الطرفين، وإن كان أكثرها على الحكومة التي تتحكم بمفاصل صنع القرار خاصة في ظل وضع خرج فيه السوريون جديداً من العصور المظلمة الأسدية، التي تميزت بسحق الحياة العامة وتأميمها لمصلحة استمرارية نظام السلالة.
وهذا يستدعي من السوريين والقوى السياسية الانخراط في صنع الحياة العامة من خلال الدفاع عن حقوق الأغلبية بدل العزوف الكبير الذي كانت تعيشه سوريا سابقاً، الذي لم يكن خياراً لهم، بل نتيجة القمع الفظيع والمجازر العديدة، وهذا يتطلب توفير بيئة سياسية وقانونية آمنة تضمن حرية التعبير والتنظيم والعمل العام.
ويتجلى دور الحكومة، خاصة أن البلاد في مرحلة إعادة تشكيل لمؤسسات الدولة، في ضمان أن يعاد التشكيل وفق أسس سياسية، بمعنى تجنب التمثيل والمشاركة وفق الآسس القديمة القائمة على اعتبارات المحاصصة الدينية والمذهبية والإثنية تحت ذريعة مشاركة جميع السوريين، فالاعتماد على تلك الانقسامات في تمثيل السوريين لن يجلب لسوريا سوى الأزمات، ويعيدها لدائرة الصراع والفوضى. ولا يعني تجاوز المحاصصة تجاهل التنوع السوري، بل يعني بناء نظام وفق أسس سياسية يضمن الحقوق والحريات، ويتيح لجميع السوريين المشاركة في الحياة السياسية على أساس الكفاءة والاختيار الحر، دون تمييز أو إقصاء.
لا أحد ينكر دور من ساهموا في تحرير السوريين من نظام السلالة الأسدية، ولا تضحياتهم الكبيرة، لكن أن تتحول هذه المساهمة إلى محور للعملية السياسية، ومن ثم إلى “أيديولوجية” بحيث تصبح المشاركة في إعادة تشكيل المؤسسات مكافأة لمن حرر، يمكن أن توصل في النهاية لنتائج لا تساهم في بناء دولة ولا وطن يلم شمل السوريين.
لقد شارك عدد كبير من السوريين في عملية الخلاص من نظام السلالة، فمنذ أواسط السبعينيات، عبرت عدة قطاعات وأحزاب سياسية ونقابات عن معارضتها لسياسات الأسد، ودفع كثير من أبنائها حياتهم في سجونه ثمناً لمواقفهم ومطالبتهم بالحرية وبناء دولة لجميع السوريين تقوم على العدالة والقانون، ويشهد على ذلك جدران سجون تدمر وصيدنايا وعموم الأفرع الأمنية، حيث لا تزال تحمل دماء المعتقلين وكتاباتهم أيضاً. وتجاهل مشاركة هؤلاء وما عانوه وقدموه لا يخدم بأي حال بناء وطن وإعادة تشكيل الدولة التي أممها نظام السلالة لمصلحته ومحسوبيه.
تعاني سوريا منذ فترة طويلة من انقسامات مجتمعية، عمل نظام السلالة الأسدية على تعميقها، وخاصة الطائفية منها، إضافة لانقسامات أخرى مرتبطة بالبنى التقليدية القائمة والمصالح الاجتماعية، وثمة انقسامات تتعلق بحق الوصول للثروة والموارد، بين المهمشين والفقراء من جهة، وبين أصحاب الأموال من جهة أخرى، وهو انقسام يتعمق يوماً بعد يوم وتزداد خطورته في ظل السياسات الاقتصادية الجديدة التي تنتهجها الحكومة، والتي تحتاج إلى دراسة أعمق لآثارها الاجتماعية والاقتصادية، وتفهم الظروف المعيشية لغالبية السوريين، ولا سيما الفئات الفقيرة والمهمشة. فإعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنفصل عن إعادة بناء الاقتصاد على أسس تضمن العدالة وتكافؤ الفرص، وتحد من احتكار الثروة والموارد، وتمنع إعادة إنتاج شبكات الفساد والامتيازات القديمة.
إن الإقرار بالاختلاف القائم على المواقف والأفكار، لا على الانتماءات والهويات، واحترام حق الآخرين في التعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم، هما من الشروط الأساسية للتقدم.
لقد تخلصت سوريا حديثاً من أسوأ نظام قمعي في تاريخها الحديث، مثقلة بإرث مرعب من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وأخطرها الأمنية، فضلاً عن الانتهاكات الإسرائيلية شبه اليومية، وهو ما يجعل مهمة إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وبناء وطن حقيقي لجميع أبنائه مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، ولعل التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إعادة تشكيل المؤسسات التي دمرها النظام السابق أو استولى عليها، بل في تغيير الفكرة التي حكمت العلاقة بين الدولة والمجتمع لعقود طويلة. فالدولة عمومية، وليست ملكاً لأحد، والسلطة ليست امتيازاً، بل مسؤولية مؤقتة تخضع للمساءلة والمحاسبة.
إن بناء وطن لجميع السوريين يقتضي منا أن نتقبل الآخر، أفراداً وجماعات، حتى وإن كانوا مختلفين عنا تماماً، وأن ندرك أنهم لن يتغيروا بالضرورة ليصبحوا مثلنا، كما أننا لسنا مطالبين بأن نتغير لنصبح مثلهم. فالتعدد والاختلاف ليسا مشكلة ينبغي التخلص منها، بل هما مسألة طبيعية من الناحية الاجتماعية والسياسية ينبغي تنظيمها في إطار القانون.
إن الإقرار بالاختلاف القائم على المواقف والأفكار، لا على الانتماءات والهويات، واحترام حق الآخرين في التعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم، هما من الشروط الأساسية للتقدم. أما العزوف عن المشاركة، وترك المجال العام لمن يحتكرون القرار، والتخلي عن مسؤولية الدفاع عن الحقوق والحريات، فسيكون كارثة أخرى لا تقل خطورة عن الاستبداد الذي خرج السوريون للتخلص منه. فالمعركة الحقيقية لا تتوقف عند إسقاط نظام مستبد، وإنما تبدأ ببناء دولة لا تسمح بعودة الاستبداد، دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، يحميهم من جهة ويسائلهم من جهة أخرى.
- تلفزيون سوريا
























