سيصبح الكونغرس الأميركي بأغلبية ديمقراطية رسمياً مطلع العام المقبل، وسيُمضي ترامب عامين من الصراعات الداخلية ووضع رقابة مكثفة على مجمل سياساته الداخلية والخارجية، خصوصاً ما يتعلق بميزانية وزارة الأمن الداخلي ووقف الدعم العسكري الخارجي، وسط صعود لافت للتيَّار التقدمي الاشتراكي المتحالف مع الديمقراطيين. وهذا لا يعني العودة إلى سياسات بايدن أو أوباما، فتوجُّهات الكونغرس الديمقراطي الجديد ستتأثَّر بصعود عدة مرشّحين تقدميّين، وخسارة مرشّحين ديمقراطيين تقليديين أمام آخرين تقدّميين واشتراكيين في ولايات متعدّدة. هذا يعني أن على الديمقراطيين أن يحسبوا حساباً للتيارات اليسارية الشابة التي ساهمت في الانتصار الديمقراطي الساحق في انتخابات 4 نوفمبر/ تشرين الثاني، والتي تصاعد دورُها بإلهامٍ من توسُّع شعبية عمدة نيويورك، زهران ممداني، العضو في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين، إذ دعم وموّل بقوَّة مرشحين باتوا نواباً اليوم، ولقَّبته الصحافة الأميركية بـ”صانع الملوك”. وهذا سيضع العالم أمام مرحلة جديدة شديدة التعقيد في ظل الصراعات المتوقعة بين ترامب والديمقراطيين، وحتى ضمن الحزب الجمهوري، ومن الصعب التكهن في مآلات السياسة الخارجية الأميركية خلال العامين المقبلين، والتي تبدو سورية فيها تفصيلاً صغيراً ليس محطَّ أولوية لترامب ولا لخصومه.
يتكهَّن بعضهم بأن ترامب سيستغل فرصة الشهرين الباقيين لتولي الكونغرس الجديد مهامه، في البحث عن انتصار عسكري في الشرق الأوسط على إيران وأذرعها، بالتعاون مع إسرائيل، أو تنفيذ سياسة الضغط الأقصى على طهران لدفعها صوب القبول بشروطه حول فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية، والتخلي عن المشروع النووي. في كل الأحوال، سياسة الضغط المتصاعد ضد إيران وأذرعها مستمرّة، قبل الانتخابات، وخلال فترة العطالة التشريعية، وستستمر بعدها، رغم التحفظات الديمقراطية الجديدة على الإنفاق العسكري الخارجي، كون تحجيم إيران في المنطقة بات ضمن الاستراتيجية الأميركية ولا تعارضه أي من الحكومات المتعاقبة، كما أن الديمقراطيين لا يسيطرون على ثلثي الكونغرس لتعطيل استخدام الفيتو الجمهوري على قرارات الحرب. وبالتالي، ستستمر سياسة دعم سلطة هيئة تحرير الشام في دمشق، ضماناً لعدم عودة النفوذ الإيراني إلى سورية، فضلاً عن تبني السياسة الأميركية للمجموعة الحاكمة في سورية شريكاً في محاربة فلول تنظيم داعش بعد أن اختبرتها في ذلك لسنوات أثناء حكم إدلب. بالتالي من المتوقع أن يستمر مسار الانفتاح الدبلوماسي والاقتصادي، ويستمرَّ رفع العقوبات، وشطب سورية من قائمة الإرهاب، وقد يُستكمَل هذا المسار بفتح السفارة الأميركية في دمشق.
مجمل سياسات السلطة السورية الداخلية لا تقود إلى الاستقرار بل إلى التفتت، بسبب شدّة انغلاقها وميلها إلى احتكار كلِّ المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية
كما أنَّ الدعم الأميركي السياسي والعسكري للكيان الصهيوني مستمرّ، وإطلاق يد تلّ أبيب في غزّة والضفة الغربية ولبنان وسورية هو في صلب الاستراتيجية الأميركية لإعادة تشكيل المنطقة، سيطر عليها ديمقراطيون أو جمهوريُّون، وأمام التيَّار التقدمي الأميركي المناهض للصهيونية طريق طويل حتى يغيَّر هذه المعادلة. وبالتالي، من المتوقع أن تستمر التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، طالما لا رادع لها، وطالما أن السلطة في دمشق لم تطرح حلولاً وطنية لتحقيق العدالة الانتقالية ورأب الصدع الاجتماعي المستمر، والذي يستغله الاحتلال في السويداء. ولا يتوقف انسحاب الاحتلال من الجنوب السوري على تغيير سياسي في بنية الكونغرس، ولا على صعود إيزنكوت إلى الحكم وإقصاء نتنياهو في تل أبيب، كما أن المضي باتفاق أمني يعطي دوراً للسلطة في ضبط الحدود أمر مرفوض إسرائيلياً بسبب غياب الثقة بهذه السلطة، وبسبب ضعفها وعدم اكتمال سيطرتها حتى على الفصائل الموالية لها؛ وهذا كلّه يعقّد قدرة الحكومة السورية على طرح التفاوض على استعادة الأراضي السورية في الجولان، والتركيز على انسحاب إسرائيل إلى خطوط فك الاشتباك لعام 1967.
قلّص ترامب حجم المساعدات الأميركية إلى العالم، ومنها حصَّة سورية، وسيلتقي هنا مع مطالب الديمقراطيين في تشديد الرقابة على شروط تقديم المساعدات. وهناك من يتوقّع انسحاباً عسكرياً أميركياً مضبوطاً من شمال شرق سورية، ضمن توجهات ترامب ولإرضاء المطالب الديمقراطية بخفض الإنفاق العسكري الخارجي. وهذا إن حصل سيستكمل السياسة الأميركية بالضغط على “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والحكومة للمضي في عملية الاندماج، والتي حصلت سياسياً على مستوى القيادات، لكنها تعاني من الهشاشة في تطبيقها في منطقة الجزيرة السورية، خصوصاً في الحسكة وغويران، في غياب الأمن وضعف مؤسّسات الدولة، وضعف الخدمات الاجتماعية وغلاء المعيشة، ونشاط مجموعات عربية وأخرى كردية رافضة للاندماج.
وعلى نطاق أوسع، هناك تراجع الولايات المتحدة في الاهتمام بقواعدها في الخليج العربي، والتي تتعرّض لضربات كبيرة من الطرف الإيراني، وتركيز أكبر على قواعد في الأردن، إضافة إلى العراق وتركيا. وتعتبر خطوة الانسحاب الأميركي من سورية استكمالاً للسياسة الأميركية بالاعتماد على حلفاء وكلاء لها في سورية لضبط الترتيبات الأمنية، أي تركيا والسعودية، وهنا قد يأتي إعلان دمشق الانضمام إلى تحالف مكّة ضمن هذا السياق، مع مخاوف من مطالب سعودية بإرسال قوات سورية جهادية لقتال الحوثيين. كما أن الدفع الأميركي لدور تركي في سورية يأتي لموازنة التدخل الإسرائيلي جنوباً، ضمن ترتيب أميركي يمنع التصادم التركي الإسرائيلي على الأراضي السورية، ويشرف على توزيع مناطق النفوذ بما يحقق الاستقرار الذي يتناسب مع المصالح الأميركية ومتطلبات الحرب على إيران وأذرعها وبرنامجها النووي.
استمرار سياسة التحريض الطائفي والمذهبي من مؤثِّرين مقرَّبين من دوائر السلطة ومن دون محاسبة
من الصعب أن ينعكس هذا الاستمرار في الانفتاح الدبلوماسي على الحكم المؤقت في دمشق انفتاحاً اقتصادياً، فعدد قليل من مذكرات التفاهم المليارية التي جرى توقيعها خلال العامين الماضيين سيدخل حيز التنفيذ، وقد تحدَّث عن هذا بوضوح المبعوث الأميركي إلى سورية، توماس برّاك، قبيل انتخابات الكونغرس بأيام، في مقابلة مع “سي أن أن”، وفسّر صعوبة جذب الاستثمارات في سورية بالواقع السوري الموروث، وعدم الاستقرار المصرفي، وعملة بلا غطاء، وعائدات بعيدة الأمد، ومخاطر أمنية ومالية وقانونية. وربما جاء تصريح براك استباقاً لرقابة مالية أميركية متوقعة من الكونغرس الجديد حال انعقاد جلساته، حول مذكرات التفاهم التي أشرف براك بنفسه على توقيعها بين حكومة دمشق وشركات طاقة كبرى في شباط الماضي. كما أنّه يقلّل من جدية الحديث عن مشاريع أنابيب الطاقة عبر سورية بدائل عن مضيق هرمز، فيما يحقق الطريق البرّي من كركوك إلى بانياس بعض الربح للسوريين، لكنه لا يمكن أن يشكّل بديلاً مهماً.
إذاً، لا تغييرَ جذريا متوقَّعٌ في السياسة الأميركية تجاه سورية خلال العامين الباقيين من حكم إدارة ترامب. لكن شرط الدعم الأميركي، إضافة إلى الأوروبي والعربي، للسلطة في دمشق لا يكفي لتحقيق الاستقرار وتمكينها؛ فمجمل سياساتها الداخلية لا تقود إلى الاستقرار بل إلى التفتت، بسبب شدّة انغلاقها وميلها إلى احتكار كلِّ المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، دون القدرة على وضع خطط وطنية للنهوض بواقع البلاد، الاقتصادي والاجتماعي المتشظِّي. على العكس، تزيد سياساتها من حالة التشظي، مع استمرار اقتصاد الحرب القائم على الغنيمة، والاحتكار لمصلحة المقرّبين والمحاسيب، وغياب الشفافية حول ما يملكه الصندوق السيادي ومصدر أمواله وكيف يدار وأين تنفق الأموال؛ كما أن هناك سلَّمَين للرواتب في كلِّ مؤسسات الدولة، منها وزارة الدفاع، حيث يتم تمييز المنتسبين الذين يحملون رقماً ذاتياً في هيئة تحرير الشام، المفترض أنها حُلّت رسميّاً، ويفتح هذا التمييز المؤسسي الطريق أمام اقتتال داخلي مع استمرار العجز المالي وصعوبة تأمين الرواتب. عدا عن استمرار سياسة التحريض الطائفي والمذهبي من مؤثِّرين مقرَّبين من دوائر السلطة ومن دون محاسبة، وتمييع مسارات حساسة في المرحلة الانتقالية، كالحوار الوطني وملف العدالة الانتقالية، ومسارات التحقيق التي تقوم بها السلطة في المجازر المرتكبة في الساحل والسويداء.
- العربي الجديد






















