منذ أيامها الأولى، سعت سلطة دمشق لطمأنة الخارج حول توجهاتها وسياساتها الجديدة، ساعية لإعطاء انطباع أن سلطة هيئة تحرير الشام الحاكمة في دمشق، هي غير تلك التي كانت في إدلب. وأخذت توجه الرسائل الواضحة إلى الدول العربية بدايةً، ثم بقية دول العالم، سواء من خلال التصريحات أو من خلال اللقاءات الكثيرة والمتواترة مع زعماء هذه الدول. وكانت أولى تلك الرسائل، الكلام الصريح الذي صدر عن قائد إدارة العمليات العسكرية آنذاك، أحمد الشرع، حين قال: “إن الثورة انتهت مع سقوط النظام، وسوريا لن تكون منصة لمهاجمة الدول الأخرى”، أي لا تصدير للثورة أو دعم للقوى الإسلامية بعد انتصارها، كما أن العلاقات الخارجية لن توجهها خلفية الحكم الإسلامية. وكان الغرض من وراء هذه الرسائل الرهان على الدول العربية ودول العالم لتثبيت أقدامها، وبالتالي الحصول على الشرعية من الخارج، في وقت بقيت ملفات الداخل مجمدة. وهي مغامرة لا يقدم عليها أي حكم جديد، لأن ثقة الداخل هي أساس كل شرعية.
دعم عربي وغربي
الآن، وبعد أن ضمنت السلطة في دمشق الشرعية التي تكرّست عبر دعم الدول العربية، وأهمها دعم العربية السعودية وقطر والإمارات، وكذلك عبر دعم دول غربية، ظهر أولاً من خلال الزيارة المشتركة لوزيري خارجية ألمانيا وفرنسا، وبعدها زيارة الشرع فرنسا، ثم الزيارة الاستثنائية إلى روسيا. كما جاء الدعم السخي من إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بداية مع الدعم المعنوي الذي ظهر منذ لقائه الأول بالشرع في الرياض، في مايو/ أيار الماضي، وإطراءاته للشرع، وتعهده وقتها بالعمل على رفع العقوبات عن سوريا تجاوباً مع الوساطة السعودية. وتواصل عبر لقائهما في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، ثم اللقاء في واشنطن، حين استقبله ترامب في البيت الأبيض، في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وحسم خلال اللقاء موضوع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. وقد تكلل هذا الدعم المعنوي بدعم مادي، مع توقيع ترامب على “قانون تفويض الدفاع الوطني”، والذي ينص بند فيه على إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات المفروضة بموجبه على سوريا.
إهمال الداخل
صحيح أن السعي لهذه اللقاءات وضمان الدعم الخارجي، ضروري لإنهاء عزلة سوريا والمساعدة في الاندماج في النظام الدولي للحصول على القروض والمساعدات وجلب الاستثمارات من أجل إعادة البناء، إلا أنه، وفي مقابل هذا الاهتمام بالخارج، عانت ملفات الداخل طيلة السنة المنقضية إهمال السلطة. بل وفي حالات كثيرة، وعلى عكس دبلوماسية تلطيف الأجواء مع الخارج، كان العنف المفرط أسلوباً اتبعته هذه السلطة في التعامل مع مشكلات الداخل. ظهر ذلك بدايةً في جرمانا ثم صحنايا وأشرفية صحنايا، ثم في الساحل وبعدها في السويداء على شكل مجازر طائفية، لحل مشكلات أمنية. واستمر عبر عمليات التحريض الطائفي، وخطف النساء والقتل العشوائي، في مناطق الأقليات.
وللغرابة، تزامن هذا النهج مع تأجيل البت في قضايا مصيرية، مثل قضية المعتقلين بعد سقوط نظام الأسد، وقضية المغيبين في المعتقلات، وقضية المفصولين من أعمالهم، وقضية إعادة الإعمار وموضوع العدالة الانتقالية والتسوية السياسية اللازمة لعودة المناطق الخارجة عن سلطة دمشق، في السويداء ومناطق سيطرة “قسد”، في شرق وشمال شرق الفرات، إلى سيادة الدولة. يضاف إلى ذلك، تأجيل موضوعات الإصلاح الاقتصادي وإعادة بناء الاقتصاد المنهار، إضافة إلى الإصلاح الإداري الذي لم تجد السلطة من طريقة للخوض فيه، سوى عبر فصل مئات آلاف الموظفين من مؤسسات القطاع العام، أو استبدال الأكفاء والأكاديميين بآخرين عديمي الخبرة، في تقديم لعامل الولاء في التعيين على عامل الكفاءة والخبرة.
سلطة انتقالية
ليس من المتوقع أنه يغيب عن بال أركان السلطة، أن إهمال العامل الداخلي يؤثر على شرعية هذه السلطة بنظر الخارج، خصوصاً أن الخارج ما زال يصنفها سلطة انتقالية، أمامها مهمات عليها تنفيذها، كما عليها التقيد بشروط دولية خلال فترة الانتقال. فالشروط التي وضعتها الإدارة الأميركية، والتي ستراجعها كل فترة، لتقرر ما إذا كانت ستمدد لإلغاء قانون قيصر أم تعيد العمل فيه، هذه الشروط ما هي إلا أدوات رصد ومتابعة، وهي عين المجهر الذي ستراقب الدول والمؤسسات الدولية عبرها سلوك هذه السلطة. فالتسوية السياسية التي تعد حجر الأساس للانتقال، والدافع للإصلاح، والضامن لتمثيل مختلف فئات الشعب وأطيافه في مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية، واعتماد الشفافية في الحكم والإدارات، هذه التسوية لم تبدأ بها السلطة بعد مرور أكثر من سنة على سقوط النظام.
من جهة أخرى، لم يوضع هدف واضح لعملية الانتقال السياسي، ولم يتضح شكل النظام السياسي المقبل بعد انتهاء الفترة الانتقالية، فما هو النهج الاقتصادي؛ اقتصاد السوق الحر، أم اقتصاد رأسمالية الدولة الذي كان يتبعه نظام الأسد؟ هنالك ملامح تشير إلى أن اقتصاد رأسمالية الدولة ما زال متبعاً، في ظل الافتقاد إلى الخطط الاقتصادية الواضحة، والعجز عن التخطيط، وكذلك الفشل في وضع أسس الاقتصاد الحر الذي قال رموز الحكم أنهم سينتهجونه، من تشريعات وإصلاحات إدارية وقانونية وضريبية ومالية ومصرفية، تشجع القطاع الخاص على العمل، وتجذب المستثمرين من الخارج. وهنا تبرز خطورة تحول هذا الاقتصاد إلى “اقتصاد المحاسيب”، كما كان أيام الأسد، مع الكلام عن نفوذ مقربين من الرئيس، ومن بقية المسؤولين، في القطاعات التجارية والصناعية والإدارية، ومع تضخم الجهاز الإداري وتعيين الموالين في المناصب، وغيرها من السلوكيات غير المدروسة.
تبدد الشرعية الدولية
تشي الفترة الحالية أن ثمة حراكاً كبيراً في داخل سوريا، إلا أنه من دون نتائج تذكر، فكل شيء يبدو متوقفاً. مجلس الشعب ما زال معطلاً، لم يكتمل عدد أعضائه، بسبب عدم تعيين الشرع الثلث الباقي غير المنتخب، وهو ما يؤثر على شرعية أي قانون أو اتفاقات دولية أو قرارات وقوانين، ويعطي انطباعاً أنه برلمان شكلي، لا يجتمع ولا تصدر عنه قوانين ولا يبت في القرارات المصيرية. وهذا يؤثر على تمثيل فئات الشعب في الحكم، ويخيف من تسلل الدكتاتورية إلى البلاد، عبر منع العمل السياسي والبرلماني. وفي ظل رفض مطالب كثيرة، جماهيرية ومناطقية، باعتماد اللامركزية، بات الخوف زائداً من إعادة انتاج الحكم المفرط بمركزيته، والذي كان سائداً خلال حكم الأسد.
وإذا قادت هذه السياسات إلى جمود وإلى توقف الإصلاحات وتراجع الاقتصاد، ستبقى القوانين قاصرة ويتراجع الاستقرار، ما يؤدي إلى احجام المستثمرين والمُقرضين عن التعاون مع سوريا، وكذلك تتوقف المساعدات التي عادة ما تكون مشروطة بالإصلاحات. وهنا ستتبدد الشرعية الدولية بسبب فقدان الثقة، ويتحول دور السلطة إلى إدارة الأزمات، بعدما كان يعول عليها في تحقيق الإصلاحات والانطلاق نحو البناء والتنمية. وغياب الأفق في هذا الوقت، سيؤدي إلى اعتماد الحلول المؤقتة والحلول الأمنية والانكفاء أكثر إلى الداخل ثم العودة للعزلة التي كانت، مع عوامل أخرى، سبباً في سقوط الأسد.


























