في مرحلةٍ تتسم بتشابك المصالح وتعدد مستويات النفوذ في شمال شرقي سوريا، تبدو العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية أقرب إلى صيغةٍ انتقاليةٍ مفروضةٍ بالوقائع الميدانية، لا إلى شراكةٍ سياسيةٍ متكاملة أو اندماجٍ مؤسسيٍّ واضح المعالم. فعلى الرغم من تعدد جولات التفاوض والاتفاقات المعلنة، وفي مقدمتها اتفاق العاشر من آذار، لا تزال الملفات السيادية الحساسة، كالتعليم والمعابر والموارد الطبيعية، تُدار ضمن إطارٍ هجين يجمع بين إدارة الأمر الواقع ومحاولات إعادة ترسيخ المرجعية الرسمية للدولة.
وتعكس المعطيات المطروحة أن ما يجري على الأرض هو إدارة مؤقتة لأزمة مركبة، تحكمها توازنات أمنية وضغوط إقليمية ودولية، أكثر مما تحكمها إرادة سياسية مشتركة لحسم مسار الاندماج. ففي حين تؤكد الدولة تمسكها بمبدأ السيادة ووحدة القرار، تحافظ “قسد” على هوامش إدارية وأمنية محدودة، مستندةً إلى واقع النفوذ والدعم الخارجي، بانتظار بلورة تسوية أوسع. وبين هذين المسارين، تبقى الاتفاقات السابقة قيد الاختبار، والتنفيذ رهناً بتغير موازين القوى، ما يجعل العلاقة القائمة حتى الآن علاقة تفاوض مفتوح، لا تزال نتائجها النهائية مؤجلة.
طبيعة العلاقة والملفات السيادية
يقول الدكتور صلاح قيراطة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمقيم في مدريد، لـ”963+” إنّه في الملفات السيادية الحساسة، مثل التعليم والمعابر والنفط، فإن العلاقة الفعلية القائمة اليوم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) ليست شراكة دائمة، ولا إدارة مشتركة مكتملة الأركان، بل هي مرحلة انتقالية تفاوضية بطبيعتها.
وفي السياق نفسه، تقول آمال جبور، الصحفية من الأردن، لـ”963+” إنه لا يمكن توصيف العلاقة القائمة بين الحكومة السورية و”قسد” في هذه الملفات على أنها شراكة مؤقتة واضحة، ولا إدارة مشتركة مؤسسية، ولا حتى مساراً انتقالياً منظماً يقود إلى استعادة الدولة سيطرتها الكاملة.
ويضيف قيراطة أن الدولة السورية تؤكد سيادتها وتسعى إلى دمج قسد ضمن مؤسساتها الرسمية، مشيراً إلى أن السيادة على المعابر والموارد الاستراتيجية في مناطق سيطرة قسد تُدار اليوم بطريقة انتقالية وتفاوضية، لافتاً إلى أن الحكومة السورية تعتبر هذه الملفات حصرية من صلاحياتها السيادية وتسعى لاستعادتها بشكل كامل.
وفي المقابل، يوضح أن “قسد” تواصل إدارتها عملياً بشكل مؤقت ضمن ترتيبات مرحلية تسمح بمرور النفط وتشغيل المعابر، مع إشراف تدريجي من قبل الدولة، معتبراً أن حدود الصلاحيات باتت اليوم واضحة نسبياً، إذ إن الحكومة هي صاحبة القرار النهائي، بينما تحافظ قسد على دور إداري محدود ومؤقت إلى حين دمج مؤسساتها رسمياً في بنية الدولة.وبالتوازي، تلفت جبور إلى أن قسد تسيطر فعلياً على الإدارة اليومية لهذه الملفات، بينما تحاول الحكومة السورية أن تكون المرجعية القانونية، لكنها غير قادرة، بحسب تقديرها، على فرض تطبيق كامل للسيادة الوطنية على الأرض، موضحة أن السيادة في هذه المناطق لا تزال مقسّمة وغير متكاملة، وتتجاذبها المفاوضات بين الحكومة و”قسد” دون الوصول إلى نتائج نهائية.
ملف التعليم
في ملف التعليم، يلفت قيراطة إلى أن ما يحدث اليوم يتجاوز كونه مسألة إدارية تهدف إلى تفادي فراغ خدمي، معتبراً أنه صراع سياسي واضح على الهوية والمناهج ومرجعية الدولة، ويضيف أن “قسد تفرض على الأرض مناهج بديلة عن المناهج الرسمية، في حين ترى الحكومة السورية أن التعليم يشكل ركناً سيادياً أساسياً، وتؤكد أن القرار النهائي بكامله يعود إلى وزارة التربية”، منوهاً إلى أن مسألة المراقبة على التنفيذ والرقابة على المدارس في مناطق سيطرة قسد لا تزال تشكل محوراً للخلاف السياسي المستمر بين الطرفين.
وفي الإطار ذاته، تشير جبور إلى أن ما يجري اليوم في ملف التعليم شرق الفرات هو مزيج بين مسارين متوازيين؛ فمن جهة هناك تسوية إدارية مؤقتة تهدف إلى تفادي توقف المدارس وضمان استمرار العملية التعليمية للأطفال، ومن جهة أخرى يعكس هذا الملف صراعاً سياسياً عميقاً قائماً على الهوية والمناهج ومرجعية الدولة، موضحة أن “قسد تسعى إلى بناء نظام تعليمي يعكس رؤيتها وهويتها الخاصة، في حين تحاول الحكومة السورية فرض مرجعية رسمية تُمكّنها من التطبيق الكامل للمناهج المعتمدة”.
وترى أن القرار النهائي عملياً لا يملكه أي طرف بشكل كامل، وأن المدارس تعمل في ظل وضع هش عالق بين واقع إداري مفروض وصراع سياسي غير معلن.
العوامل الإقليمية والدولية
وفي سياق متصل، يوضح قيراطة أن التفاهمات الأمنية والعسكرية، بما في ذلك الوجود الأميركي والتهديد التركي والدور الروسي، هي التي تحكم فعلياً شكل العلاقة القائمة اليوم بين قسد ودمشق، مشيراً إلى أن الوجود الأميركي دفع قسد نحو الدخول في تفاهمات مع الحكومة السورية بهدف حماية مواقعها وقواتها، بينما يظل التهديد التركي عامل ضغط دائماً يحدد مساحات التعاون والتوتر في آن واحد، معتبراً أن روسيا تلعب دور الوسيط القوي الذي يعمل على منع التصعيد المباشر وتثبيت خطوط التفاوض بين الطرفين.
وبالمقابل، ترى جبور أن تأثير العوامل الإقليمية والدولية حاسم ومباشر، إذ إن الوجود الأميركي يمنح قسد هامشاً واسعاً من الحركة، في حين تفرض المصالح التركية ضغوطاً مستمرة على مسار القرارات، وهو ما يجعل أي شكل من أشكال التعاون هشاً ومتقلباً تبعاً لتغير المواقف الإقليمية والدولية.
آفاق العلاقة والتنفيذ
يخلص قيراطة إلى أن العلاقة بين الطرفين ليست شراكة حقيقية، بل توازن قسري فرضته المصالح الأمنية الإقليمية والدولية، مضيفاً أن العلاقة الحالية لا تعكس اندماجاً سياسياً حقيقياً داخل مؤسسات الدولة، بل تمثل إدارة مؤقتة لأزمة فرضتها الظروف الميدانية، وفي مقدمتها الحفاظ على الاستقرار والتحكم بالموارد وتجنب التصعيد العسكري، معتبراً أن أي تقدم سياسي ملموس يظل مرتبطاً بتغير موازين القوى على الأرض.
ومن جهتها، تشير جبور إلى أن المباحثات المستمرة بين الحكومة السورية و”قسد” لم تُسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن، وأن الاتفاقات السابقة، بما فيها اتفاق العاشر من مارس المتعلق بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية، لم تدخل حيز التنفيذ، موضحة أن الحكومة تشير إلى أن “قسد” تماطل في التنفيذ، بينما تستمر الأخيرة في إدارة مؤسساتها بشكل مستقل وتكرر مطالبها باللامركزية، لتخلص إلى أن أي تسوية قائمة حالياً ليست اندماجاً سياسياً حقيقياً، بل مجرد إدارة مؤقتة للأزمة بانتظار تغير موازين القوى أو تدخل ضغوط إقليمية ودولية قادرة على إحداث تقدم ملموس.
- 369+


























