في اللحظة السورية الراهنة، تبدو الهوية الوطنية السورية في طور إعادة التشكل تحت ضغط تفكّك المركزية السياسية وتبدل علاقات السيطرة التي حكمت البلاد لعقود، فالمركزية التي كانت تتكئ على أجهزتها الأمنية وأيديولوجيتها الأحادية، لم تكن مجرّد نمط حكم، بل منظومة لإعادة إنتاج المجتمع وفق رؤية سلطوية، تُوَحِّد بالقسر عبر ثقافة التطابق الرمزي.
وقد أسهم هذا النمط في تحويل الدولة إلى مصدر وحيد لتعريف الانتماء، بحيث تنصهر الفوارق ضمن سردية رسمية جامدة تُقصي التعدد وتحجب الديناميات الاجتماعية الحقيقية، غير أنّ هذا البناء الذي بدَا متماسكاً في ظاهرِه، كان هشّاً في جوهره، لأنّه لم يُقم على عقد اجتماعي حرّ، بل على شبكة من الطاعة والإخضاع وتشويه الفضاء العام.
ومع اتساع نطاق الصراع السوري منذ 2011، بدأ هذا البناء يتصدّع على نحو متسارع، لم يكن الأمر مجرّد ضعف في قدرة المركز على ضبط الأطراف، بل انكشافاً عميقاً لوهم التجانس الذي روّجت له السلطة طوال عقود.
فقد ظهرت إلى السطح هوياتٌ محلية وطائفية وإثنية كانت مكبوتة، ثم صعدت هويات أخرى تشكّلت تحت ضغط الحرب والنزوح وفقدان الأمن، ومع السنوات، أخذ تفكّك المركزية طابعاً بنيوياً لا يمكن اختزاله في تراجع أمني أو سياسي، بل بات مسّاً جوهرياً بموقع الدولة بوصفها منتجةً للهوية الوطنية ومُعرِّفةً للانتماء.
المقصود بالهوية القسرية، هي تلك التي تُفرض من أعلى عبر منظومات مركزية تُعرّف المواطن من موقعه في هرم الولاء، وتُحجِّم الفوارق لصالح سردية موحّدة تفرض الامتثال، أمّا الهوية التعاقدية فهي تتشكل من تحت، عبر الناس، وتنطلق من الاعتراف بالتعدّد بوصفه معطًى بنيوياً لا تهديداً، وتُبنى على علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة..
وبعد عام 2024، اتضح أنّ قدرة السلطة المركزية على احتكار المجال الرمزي لم تعد قابلة للاستعادة؛ فالدولة لم تعد تمتلك أدوات إعادة صياغة المخيال الوطني بالطريقة نفسها التي اعتمدتها سابقاً، وما كان يُقدّم باعتباره “هوية وطنية جامعة” لم يعد قادراً على فرض نفسه وسط واقع اجتماعي يعيد إنتاج ذاته خارج قنوات الدولة.
في الوقت نفسه، لا يشير هذا التراجع إلى صعود هوية بديلة مكتملة، بل إلى فراغ تمثيلي اتّسع على وقع الانقسامات وتعذر بناء إطار سياسي شرعي يملك القدرة على هندسة المجال العام.
في هذا الفراغ، تُطرح ضرورة الانتقال من هوية قسرية كانت تفرضها السلطة إلى هوية تعاقدية، تخرج من المجال العام وإرادة الناس، بوصفها شرطاً لإمكان إعادة بناء الاجتماع السياسي السوري، وعلى السلطة الجديدة أن تعي ذلك وتقبل به، بل وتشارك به أيضاً.
والمقصود بالهوية القسرية، هي تلك التي تُفرض من أعلى عبر منظومات مركزية تُعرّف المواطن من موقعه في هرم الولاء، وتُحجِّم الفوارق لصالح سردية موحّدة تفرض الامتثال، أمّا الهوية التعاقدية فهي تتشكل من تحت، عبر الناس، وتنطلق من الاعتراف بالتعدّد بوصفه معطًى بنيوياً لا تهديداً، وتُبنى على علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة، كما تتأسس على الحقوق والواجبات، وعلى سيادة القانون، وعلى شرعية مشتقة من الإرادة العامة لا من القوة والتسلط على المجال الرمزي السوري.
لكن الانتقال نحو هوية تعاقدية لا يمر عبر هندسة فوقية، بل عبر إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، فالمجتمع السوري الذي خرج من الحرب وقد راكم جراحاً عميقة وانقسامات متراكبة، لا يمكنه أن يستعيد الثقة بسهولة في أي صيغة سلطوية جديدة، كما أنّ الدولة التي فقدت احتكار المجال العلني لم تعد قادرة على فرض تصور واحد للانتماء.
هنا بالضبط تتولد الحاجة إلى بناء فضاء عام يعاد تشكيله على أسس تعاقدية تسمح بالتفاوض السلمي حول الاختلافات، وتُحرّر الهوية من طابعها الإكراهي.
وإذا كان تفكك المركزية قد سمح بظهور هويات محلية متنافسة، فإنه في الوقت ذاته أظهر حدود هذه الهويات وقدرتها المحدودة على جمع السوريين حولها، فالهويات الجزئية التي تبلورت خلال النزاع ليست قادرة على تشكيل نموذج وطني شامل، لأنها تُعيد إنتاج منطق الانغلاق وتكتفي بإدارة مصالحها في نطاقات ضيقة.
ولهذا فإنّ التحدي يكمن في كيفية تحويل التعدد من عامل تفكيك إلى مورد لإعادة البناء، أي في كيفية تشكيل هوية وطنية جديدة لا تتجاوز التعدد بل تُؤسسه ضمن إطار تعاقدي يكفل العدالة ويضمن المشاركة.
إنّ تجربة السوريين خارج البلاد أظهرت أنّ إمكان إنتاج هوية تعاقدية ليس مجرد طرح نظري، فالمجتمعات السورية في المهجر، رغم تشتتها، طوّرت خلال السنوات الماضية أنماطاً جديدة من التواصل والتعاون والمبادرة، بعيدة عن نمط الوصاية السياسية الذي طبع العلاقة بين المواطن والدولة لعقود.
لقد ظهر في الفضاءات السورية المهاجرة شكل مختلف من المجال العام الذي يستند إلى المشاركة الطوعية والتفاعل الأفقي، ومع أنّ هذا المجال غير قادر على تعويض غياب الدولة، إلا أنه يقدّم دلالة على إمكانية بناء علاقة جديدة بين السوريين خارج منطق القسر والإخضاع.
لكن صياغة هوية تعاقدية على المستوى الوطني تتطلب إعادة تعريف دور الدولة نفسها، فالدولة الجديدة -بأيّ صيغة ستُبنى عليها مستقبلاً- لن تكون قادرة على إعادة إنتاج نموذج المركزية، الذي ساد سابقاً، لأنّ شروط وجوده المادية والسياسية والاجتماعية لم تعد متوافرة، وفي الوقت ذاته، لا يمكن ترك المجال لدويلات الأمر الواقع أو للولاءات الأولية كي تُحدّد مصير المجتمع.
وحدها الهوية التعاقدية – بما تتضمنه من اعتراف ومساواة وسيادة قانون – قادرة على صياغة أرضية مشتركة يتجاوز السوريون عبرها إرث الصراع ويتقدمون نحو بناء دولة تتسع لتعددهم..
يتضح من ذلك أن معضلة الهوية السورية لا يمكن حلّها في مستوى الخطاب أو الرموز فقط، بل تحتاج إلى بنية سياسية قادرة على احتضان التعدد وإعادة صياغة الشرعية، فالهوية التعاقدية ليست مشروعًا ثقافياً فقط، بل هي نتيجة لإعادة بناء الدولة ذاتها، إنها تتطلب إصلاحاً عميقاً للمؤسسات، وإعادة توزيع للسلطة، واعترافاً بالحقوق الفردية والجماعية، واستعادة الفضاء العام من قبضة العنف والهيمنة، كما تتطلب إعادة دمج السوريين في الداخل والمهجر ضمن إطار وطني واحد لا يقوم على الإلحاق بل على الشراكة.
وعلى الرغم من التعقيدات التي ترافق هذا التحوّل، فإنّ الضرورة التاريخية التي يفرضها تفكك المركزية تجعل من الانتقال نحو هوية تعاقدية أكثر من مجرد احتمال، إنه شرط لبقاء الاجتماع السوري نفسه، فعودة الهوية القسرية لم تعد ممكنة بعد الانكشاف الذي أحدثته سنوات النزاع، واستمرار الهويات المنكفئة سيقود إلى مزيد من التشظي.
وحدها الهوية التعاقدية – بما تتضمنه من اعتراف ومساواة وسيادة قانون – قادرة على صياغة أرضية مشتركة يتجاوز السوريون عبرها إرث الصراع ويتقدمون نحو بناء دولة تتسع لتعددهم.
وبذلك يغدو السؤال المركزي اليوم ليس: أيّ هوية ستفرضها الدولة المقبلة؟ بل: أيّ هوية يمكن أن يضمن وجودها دولة تمثّل السوريين جميعاً، وتفتح المجال أمام ولادة هوية تنتمي إليهم لا إلى السلطة التي تحكمهم، إنها مهمة تاريخية قاسية، لكنها وحدها التي تمنح سوريا فرصة للخروج من الإطار الذي كبّلها لعقود، وتتيح لها إمكانية تشكل كيان سياسي حديث يقوم على الإرادة العامة لا على هندسة الانقسامات، وهي هندسة أدارها النظام البائد وسهر عليها لعقود.
- تلفزيون سوريا



























