دمشق ـ «القدس العربي»: قتل سبعة أشخاص، بينهم ستة مدنيين، أمس الثلاثاء، في مدينة حلب في شمال سوريا، جراء اشتباكات مستمرة بين القوات الحكومية وقوات «سوريا الديمقراطية»، اللتين تبادلتا الاتهامات بالمسؤولية عن اندلاعها، على وقع تعثر المفاوضات بين الطرفين منذ أشهر.
ورغم توقيعهما اتفاقا في آذار/مارس نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية، يخوض الطرفان بين الحين والآخر اشتباكات دامية خصوصا في مدينة حلب، التي تضم حيين تقطنهما غالبية كردية.
وبعد جلسة مفاوضات كانت شهدتها دمشق الأحد، بين وفد عسكري تقدمه قائد قوات «سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي، مع القيادة السورية وبرعاية أمريكية، ولم تسفر عن أي تقدم تجاه إنجاز اتفاق آذار/ مارس وإعادة توحيد البلاد، بدأ تدهور الأوضاع منذ أول أمس الإثنين، على جبهة دير حافر، ثم اشتعلت الأوضاع أمس داخل مدينة حلب، في قصف متبادل طاول حيي الشيخ مقصود والأشرفية التي تسيطر عليها «قسد»، والأحياء المحيطة بهما التي تقع تحت سيطرة الحكومة السورية.
وفي ساعات المساء لم يصمد هدوء حذر خيم على المدينة إلا لساعات قليلة، حيث عادت الاشتباكات وأصوات الرصاص وتبادل القصف تسمع داخل المدينة، وتناقلت صفحات لنشطاء، فيديوهات لمدرعات وآليات لوزارة الدفاع تتجه نحو مناطق سيطرة «قسد». وتحدثت محافظة حلب عبر صفحتها الرسمية عن «استشهاد 3 مدنيين بينهم سيدتان وإصابة آخرين، جراء قصف نفّذته قوات «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية على الأحياء المحيطة بمدينة حلب»، كما أكدت «ارتفاع عدد الجرحى إلى 15 جريحاً، بينهم أطفال و9 من موظفي مديرية زراعة حلب، جراء قصف قسد على أحياء في مدينة حلب».
ووفق «سانا» وصل عدد من المصابين إلى مشفى الرازي في حلب بينهم أطفال جراء استهداف «قسد» للمناطق السكنية في المدينة. ولاحقا ذكرت وكالة «فرانس برس» أن عدد القتلى المدنيين ارتفع إلى 6.
ونقلت صفحة المحافظة، عن مصدر في مديرية الإعلام في حلب، قوله إن «قسد» وفي خرق جديد للاتفاقات الموقعة مع الحكومة السورية، أقدمت على استهداف المنطقة القريبة من دوار شيحان، ما أسفر عن استشهاد أحد عناصر وزارة الدفاع وإصابة ثلاثة آخرين».
ودعت المديرية المواطنين إلى الابتعاد عن أماكن التماس، وفض التجمعات في المناطق القريبة من حيي الأشرفية والشيخ مقصود، حتى يتم تأمين المنطقة بشكل كامل. وحسب «سانا» فإن شارع النيل في حلب شهد عملية نزوح للسكان بعد سقوط قذائف «قسد» على الأهالي.
وطالب محافظ حلب، عزام الغريب، أهالي المدينة بتوخي الحذر، جراء القصف العشوائي الصادر عن مواقع «قسد» المتمركزة في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود، وتجنب التوجه إلى مركز المدينة أو المرور عبر مناطق الاشتباك، مع الابتعاد عن أماكن التجمعات حرصاً على السلامة.
اتهامات متبادلة وتحميل للمسؤولية… ومحلل: جسّ نبض وتفاوض بالنار
وتابع: نطمئنكم أن الجهات المختصة والقوات المعنية تتعامل بحزم مع مصادر النيران، وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط الموقف وضمان الأمن العام.
وردت وزارة الدفاع حسب ما أعلنت، باستهداف مصادر نيران تنظيم «قسد» ومصادر إطلاق طائراته المسيرة، وتحييد عددٍ من عناصر التنظيم بالإضافة لمستودع ذخيرة.
كما نقلت قناة «الإخبارية» السورية الرسمية عن مصدر عسكري قوله إنه تم تدمير مستودع ذخيرة لـ«قسد» في محيط حي الشيخ مقصود بعد استهدافه بالسلاح المناسب رداً على قصف «قسد» أحياء مدينة حلب.
وأكدت إدارة الإعلام والاتصال في الوزارة أن تنظيم «قسد» استمر لليوم الثالث على التوالي بتصعيده ضد مواقع الجيش والأهالي في محافظة حلب.
وبينت أن تنظيم «قسد» يثبت مجدداً أنه لا يعترف باتفاق العاشر من آذار/مارس ويحاول إفشاله وجرّ الجيش لمعركة مفتوحة يحدد ميدانها هذا التنظيم.
في السياق، اعتبر مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان عبر منصة «إكس» أن ممارسات ميليشيات «قسد» ذكّرت السوريين «بعصابات الأسد عبر نقضها للعهود والمواثيق والاتفاقيات واستهداف الآمنين وترويعهم وتهجيرهم من بيوتهم»، مؤكدا أن سوريا واحدة موحدة عرباً وكرداً مع كل مكوناتها ودون ذلك حرثٌ للبحر.
اعتداء مباشر
نشطاء على صفحات التواصل الاجتماعي ذكروا أن «قسد» استخدمت طائرات مسيرة لرصد التحركات في محيط حيي الأشرفية والشيخ مقصود، مؤكدين حصول حركة نزوح للأهالي من الحيين وأن قوى الأمن الداخلي قامت بتأمين المدنيين. في المقابل، اتهمت «قسد» حكومة دمشق باستهداف حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
وقال المركز الإعلامي لقوات «سوريا الديمقراطية» في منشور له عبر صفحته الرسمية على «تليغرام» إن حصيلة القصف المدفعي والصاروخي الذي تنفذه فصائل حكومة دمشق على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ارتفعت إلى شهيد مدني و17 جريحاً، وسط استهداف مباشر للمنازل والمناطق المأهولة بالسكان.
واعتبر أن الاعتداء المباشر على الأحياء السكنية يعرّض حياة المدنيين لخطر جسيم، وهذا سلوك عدائي يعكس الاستهتار الكامل بالقانون الإنساني، ونحمّل الجهة المنفذة كامل المسؤولية عن أي أضرار أو تبعات ناتجة عنه.
كما أدانت «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا»، في بيان، ما وصفته بـ«حصار» حيي الأشرفية والشيخ مقصود.
وأعربت عن قلقها لما يرافقه من «استمرار الانتهاكات الجسيمة» بحق الأهالي المدنيين.
ودعت إلى وقف الحصار المفروض على الحيين، والهجمات والانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، والعودة إلى منطق الحوار والتفاهم، واعتماد الحلول السياسية الديمقراطية التي تضمن حقوق جميع السوريين، وفق تعبيرها، مطالبة بضرورة فتح الطريق أمام بناء سوريا ديمقراطية لامركزية، يسودها العدل والمساواة والعيش المشترك.
واعتبرت أن استمرار هذا النهج التصعيدي ستكون له عواقب وخيمة ستؤثر على عموم سوريا، لما يحمله من مخاطر توسيع دائرة العنف وتعميق الشرخ بين مكونات المجتمع السوري.
اشتباكات دير حافر
التصعيد والتوتر العسكري بين القوات التابعة لوزارة الدفاع السورية وقوات «سوريا الديمقراطية» كان قد بدأ أول من أمس الإثنين، باستهدافات متبادلة على خطوط التماس في مدينة دير حافر إلى الشرق من حلب بنحو 52 كيلومترا.
وذكر بيان المركز الإعلامي لـ«قسد» أن «قواتنا تؤكد حقها الكامل والمشروع في الدفاع عن مقاتليها وشعبها، في ظل القصف العشوائي على مدينة دير حافر من قبل فصائل تابعة لحكومة، استهدف بشكل مباشر منازل المدنيين وعرّض حياة الأهالي لخطر بالغ.
لكن وزارة الدفاع السورية اتهمت «قسد» باستهداف آليات لها، وهو الأمر الذي نفت «قسد» مسؤوليتها عنه. وقالت إن ما حصل لا يمتّ بصلة لأي عمل عسكري، وإنما هو حادث سير وقع بين سيارة مدنية وآلية تابعة للشرطة العسكرية التابعة لفصائل دمشق، جرى تضخيمه وتوصيفه بشكل مضلل، في محاولة مكشوفة لفبركة رواية أمنية لا أساس لها.
وأكدت «قسد» التزامها بضبط النفس، وبالمسارات القائمة، وحرصها على عدم الانجرار إلى محاولات التصعيد المفتعل.
الكاتب والمحلل السياسي خورشيد دلي، اعتبر أن ما يجري هو عملية جس نبض وتفاوض بالنار بين «قسد» وفصائل وزارة الدفاع، وهي في النهاية لن تكون إلا اشتباكاً محدوداً بهدف التأثير على مواقف «قسد»، لكن هذه الأخيرة لن تبدل مواقفها نتيجة ممارسة مثل هذه الضغوط.
ورأى أن جولة المفاوضات الأخيرة أظهرت بشكل جلّي تمسك كل جانب بموقفه، والاشتباكات في اليومين الماضيين هي اختبارات ميدانية ورسائل متبادلة.
ورأى أن هذه الاشتباكات ستظل محدود، لأن أيا من الطرفين ليس لديهما قرار بالحرب، ولا مصلحة لهما به، والأهم أن الوسيط الأمريكي الراعي للمفاوضات وإدارة الزوايا يسعى للتوصل إلى اتفاق.
ورأى أن الدور الأمريكي في الجلسات الماضية كان راعيا ومسهلا للمفاوضات. وفي الجولة الأخيرة عملت الإدارة الأمريكية للانتقال إلى مرحلة جديدة عبر جمع إمكانيات كل من «قسد» والجيش السوري لصب هذا الجهد المشترك في علمية محاربة تنظيم «الدولة»، عبر خلق آلية تعاون بين الطرفين السابقين برعاية أمريكية. واعتبر أن الدور الأمريكي يقوم أيضا على تقديم تصورات لكيفية الدمج العسكري، على خلفية الاختلاف الكبير بين مفهومي الجانبين لآليات الدمج، والجهة القادرة على تقريب وجهات النظر هذه هي الولايات المتحدة.
وبين أن التباعد ما زال على حاله فيما يتعلق ووجهات نظر الطرفين بكيفية الدمج رغم كل ما تسرب سابقا عن تفاهمات شفهية تحدثت عن دمج «قسد» ككتلة في صفوف وزارة الدفاع السورية عبر 3 فرق عسكرية ولواءين أحدهما لمكافحة الإرهاب والآخر لوحدات حماية المرأة.
وقال إن «قسد» تصر على الدمج ككتلة واحدة، بينما الحكومة لديها مفهوم مختلف يركز على الدمج كأفراد، والخلاف الثاني ظهر في طبيعة الأسماء التي رشحتها «قسد» لمشاركتها في قيادة المؤسستين الأمنية والعسكرية، فلم يكن هناك رضى عن عدد كبير من دمشق.
وتابع: الحكومة السورية تريد وتطالب بالانتشار العسكري في محافظات الجزيرة الثلاث، وبتشكيلات من خارج «قسد»، الأمر الذي ترفضه الأخيرة، وهذه مجمل الخلافات التي عطلت الإعلان عن التوصل الى بروتوكول عسكري برعاية أمريكية في الجولة الأخيرة.
- القدس العربي


























